وما زلنا نبحث عن الوطن

07/09/2026 - 07:24 AM

Prestige Jewelry

 

 

اميرة العسلي

نبحث عن الوطن في أزقة الوطن القديم، في الشوارع المهجورة، وفي الأبنية التي ترك أصحابها بصماتهم على جدرانها المتهدمة قبل أن يرحلوا. نبحث عنه في وجوه الناس الذين داست نعالهم أرض ساحة البرج، وفي ذكريات قطار الترامواي الذي كان يجوب شوارع بيروت، ثم غاب كما غاب كثيرون.

نبحث عن الوطن في إذاعة “هنا بيروت”، وفي مسلسلات أبو ملحم وأبو سليم، وفي أوراق الصحف الصفراء، وفي صحيفة الحياة التي أصدرها الصحافي كامل مروة، ثم في النهار واللواء وغيرها من الصحف التي صنعت تاريخ الكلمة الحرة.

نبحث عن الوطن في مقاهي الزيتونة، وفي شارع الحمراء الذي تبدلت معالمه وتغير وجهه. أين الرسامون؟ أين عازفو الكمان؟ أين أصحاب القلم والصحافة والكتاب والمبدعون؟ أين تلك المقاهي التي كانت ملتقى الأدباء والمثقفين والفنانين، والتي احتضنت النقاشات الفكرية والثقافية حتى ساعات الليل المتأخرة؟

نبحث عن الوطن في سوق الطويلة، وفي سوق الخضار القديم الذي كان قائماً في الموقع الذي يشغله مجلس النواب اليوم. نتذكر ذلك الصبي الذي كان يبيع أكياس الورق البني الكبيرة، يضع فيها الزبائن مشترياتهم، ثم يحملها الحمال إلى البيوت لقاء أجر لا يتجاوز بضعة قروش. كان السوق نابضاً بالحياة، وكانت أسعار الخضار في متناول الجميع، أما اليوم فقد استُبدلت القروش بالدولار، وأصبحت المعيشة عبئاً ثقيلاً على المواطن.

ليس الوطن وحده هو المفقود، بل ضاع معه جزء كبير من ذاكرة الناس وتراثهم وعاداتهم وفولكلورهم. استُبدل الطربوش بالقبعة، والسروال التقليدي بالجينز، والنعال بالحذاء الرياضي، والخيزرانة التي كان يحملها أصحاب الهيبة والنفوذ بالهاتف المحمول. واندفع كثيرون إلى الهجرة بحثاً عن حضارة ظنوا أنها الخلاص، بينما فقدوا في الطريق كثيراً من أصالة الهوية. حتى الحروب تبدلت. ففي الماضي كان المقاتل يواجه مقاتلاً آخر، أما اليوم فأصبحت الحروب الحديثة تحصد آلاف الأبرياء والعزل، وتحوّل المدن والقرى إلى ركام، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.

فأين نحن من الحضارة الحقيقية؟

لقد قدمت الحضارة المعاصرة أدوات وتقنيات مذهلة، لكنها في المقابل أضعفت كثيراً من مقومات الإنسان الاجتماعية والثقافية. خسرنا دفء العلاقات الإنسانية، وأصبح الهاتف المحمول أقرب إلى الإنسان من صديقه وجاره وقريبه. تراجعت القراءة الورقية، وحلت محلها الشاشات، وتزايدت ساعات الجلوس أمام الأجهزة الإلكترونية بما ينعكس على الصحة والبصر ونمط الحياة. كما تغير سوق العمل، واختفت وظائف وظهرت أخرى، وبرزت تحديات اجتماعية وأخلاقية جديدة فرضتها الثورة الرقمية.

واليوم ما زلنا نبحث عن أرض الوطن، بينما يتعرض لاستنزاف موارده وأزماته المتلاحقة. لقد عمّقت الانقسامات السياسية والطائفية شرخ المجتمع، وتراجع مفهوم المصلحة الوطنية أمام المصالح الضيقة، وأصبح المواطن يدفع ثمن الفساد وسوء الإدارة وفقدان الثقة بالمؤسسات. وفي كثير من المناطق، استُغل الشباب بوعود براقة وشعارات مختلفة، فيما تفشت آفات خطيرة، ومنها المخدرات، التي دمرت حياة كثيرين وأثقلت كاهل المجتمع، وأصبحت مسؤولية مكافحتها مسؤولية وطنية مشتركة.

لقد تعرضت ثروات الوطن الطبيعية لضغوط وصراعات، من المياه إلى الثروات البحرية والنفطية وغيرها، فيما بقي المواطن ينتظر مستقبلاً أفضل. ثم جاءت الحروب والاعتداءات، فدُمرت القرى والبلدات، وسقط الضحايا، وعانى الجنوب اللبناني وسواه من مناطق الوطن ويلات القصف والدمار، لتزداد الأسئلة المؤلمة: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف يمكن أن يستعيد الوطن عافيته؟

قد يختلف الناس في السياسة، لكنهم يتفقون على أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل ذاكرة وهوية وإنسان وكرامة وعدالة. فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالمواطنة، وبالمؤسسات، وبسيادة القانون، وبالعمل الصادق، وبإعلاء المصلحة العامة على المصالح الخاصة. وما زلنا… نبحث عن الوطن.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment