لبنان… بين شهادة الحياة وشهادة الموت

07/07/2026 - 23:08 PM

Arab American Target

 

 

 

مفيد خطّار

بين الحياة والموت لا ينقسم الوطن، بل تنقسم القلوب.

في وطنٍ واحد، قد تتشابه الطرق، لكنها لا تلتقي دائمًا في الضمير. فهناك مَن يختار درب العتمة، يحمل الليل في عينيه، ويستسلم لصمتٍ ثقيل، حتى يبدو كأنّه آثر الانطفاء على إشعال شمعةٍ في الظلام. وتلك الأرواح تشبه حصًى استسلمت لجريان النهر، فتركت التيارات تحملها حيث تشاء، حتى غدت أسيرة اليأس، سائرةً في دروبٍ لا تكاد تُبصر لها نهاية.

وفي المقابل، هناك مَن يسير مع الضوء، يستدلّ بالشمس وهمس الريح، ويقرأ في نبض الحياة آياتَ الله، ويرتشف الحكمةَ من قلب التراب. يشهد لكلّ نفسٍ حيّة، ولكلّ زهرةٍ تتفتح، ولكلّ دمعةٍ تتحوّل رجاءً، ويزرع في كلّ يومٍ بذرةَ أملٍ جديدة، مؤمنًا بأن الحياة أقوى من كلّ ما يحاول إخمادها.

غير أنّ الأرواح لا تستيقظ في الوقت نفسه، ولا القلوب تنفتح للنور بالسرعة ذاتها. فبعض السقوط ليس عشقًا للموت، بل عجزٌ عن احتمال الألم، وبعض العتمة ليست رفضًا للنور، بل نورٌ لم يجد بعدُ مَن يوقظه. لذلك لا يُدان الإنسان لأنه تعثّر، بل لأنه يجعل من عثرته وطنًا دائمًا، ويرفض أن ينهض حين تمتدّ إليه يد النعمة.

ومع ذلك، يبقى اليأس معديًا، لكنه لا يسلب الإنسان حريته. ويبقى النور عطيةً إلهية، لكنه لا يُثمر إلا في قلبٍ مستعدّ لاستقباله، لأن النعمة لا تُكرِه أحدًا، بل تدعو، وتنتظر جواب الحرية.

وفي صمت الليل وضجيج النهار تتجلّى الحقيقة الكبرى: كلُّ روحٍ مسؤولةٌ عن الطريق الذي تختاره، وكلُّ قلبٍ يرسم مصيره بخياراته، وكلُّ اختيارٍ يترك أثرًا لا يُمحى في تاريخ الإنسان الداخلي.

والأشد إيلامًا أن الذين استسلموا للعتمة لا يكتفون بالانحدار، بل يحاولون أن يجعلوا من سقوطهم قدرًا مشتركًا، فيجذبون الآخرين إلى اليأس كما تجذب الهوةُ كلَّ ما يقترب منها. أمّا شهود الحياة فلا يفرضون قناعاتهم على أحد، لأن الحقيقة لا تُفرَض، بل تُعاش، والنور لا ينتصر بالقوة، بل بالإشعاع الهادئ، وبالمحبّة التي تلامس الضمير قبل أن تخاطب العقل.

فالحياة ليست مجرّد بقاء، بل شهادة. والشهادة للحياة صلاةٌ صامتة تحفظ جذوة النور متّقدة، وتجعل الرجاء ممكنًا حتى في قلب الجراح، لأن الإنسان لا يُقاس بطول أيامه، بل بالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.

وهكذا يبقى لبنان، بين شهادة الحياة وشهادة الموت، ليس رهينةَ كثرةٍ استسلمت للعتمة، ولا أسيرَ موازين القوة المتقلّبة، بل أمانةَ قلوبٍ بقيت أمينةً للحقيقة، حارسةً للنور، شاهدةً للحياة وسط الموت، وللرجاء وسط اليأس.

فالأوطان لا يحفظها السلاح، ولا العدد، ولا الغلبة، بل يحفظها أناسٌ يرفضون أن يساوموا على كرامة الإنسان. وحين يظنّ كثيرون أن الليل قد أحكم قبضته، تكفي شمعةٌ واحدةٌ لم تنطفئ ليبدأ الفجر. فالمحبّة ليست شعارًا يُرفع، بل قوّةٌ تُقيم الإنسان من سقوطه، والرجاء ليس انتظارًا سلبيًا، بل فعلُ إيمانٍ يسبق ولادة الصباح. لذلك تبقى المحبّة الكلمةَ الأخيرة، لأنها وحدها أقوى من الكراهية، ويبقى الرجاء أقوى من كلّ موت، لأن الحياة التي أصلها الله لا يستطيع الظلام أن يغلبها، ولأن الفجر يبدأ دائمًا من شمعةٍ رفضت أن تنطفئ.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment