سيرينا جمال دملج *
ليست الروايات العظيمة تلك التي تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تلك التي تواصل ملاحقة قارئها كلما تغيّر الزمن. ولعل رواية "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز واحدة من تلك الأعمال النادرة التي تزداد عمقًا كلما تبدّلت الأمكنة والوقائع، حتى ليخيّل إلى القارئ أن شخصياتها غادرت قرية "ماكوندو" منذ زمن بعيد، لتقيم في أوطان أخرى لا تزال تعيد إنتاج الحكاية نفسها بأسماء مختلفة.
وفي كل مرة أعود فيها إلى هذه الرواية، أكتشف أن لبنان يطلّ من بين سطورها بطريقة جديدة. غير أن الشخصية التي تستوقفني أكثر من سواها ليست العقيد بوينديا، ولا تاريخ الحروب الطويل، بل أمارانتا؛ المرأة التي لم تستطع أن تتصالح مع الزمن، فاختارت أن تؤجل أفراح الآخرين كلما شعرت أن الحياة تمضي من دونها.
لم تكن أمارانتا شريرة بالمعنى التقليدي، ولم تكن تبحث عن الخراب لذاته، لكنها كانت أسيرة خوف عميق من اكتمال الأشياء. وحين اقترب موعد زفاف أختها غير الشقيقة ريبيكا إلى بيترو كريسبي، لم تصرخ ولم تعترض ولم تواجه أحدًا، بل تركت الزمن يعمل نيابة عنها.
دسّت حبات النفتالين في الخزانة، وتركت العثّ يلتهم فستان العرس، حتى أصبح الاحتفال نفسه رهينة التأجيل... ومنذ سنوات طويلة، كلما فكرت في لبنان، عادت أمارانتا إلى ذاكرتي. لكنها اليوم تبدو أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
أمارانتا ليست شخصًا... بل عقلية
ربما تكمن عبقرية ماركيز في أن شخصياته لا تموت بانتهاء الرواية، بل تتحول إلى رموز قابلة للعيش في كل الأزمنة. وأمارانتا، في هذا المعنى، ليست امرأة فحسب، بل عقلية كاملة.
إنها تلك الذهنية التي لا تستطيع أن ترى الآخرين يعبرون نحو مستقبل جديد، فتقرر أن يبقى الجميع أسرى الماضي. لا تبني مستقبلًا بديلًا، لكنها تؤجل المستقبل القائم. ولا تقدم مشروعًا جديدًا، لكنها تمنع المشروع الموجود من أن يكتمل. وحين أنظر إلى تاريخ لبنان الحديث، أجد أن هذه العقلية كانت تتكرر بأشكال مختلفة، مرة باسم الطائفة، ومرة باسم المقاومة، ومرة باسم التوازنات، ومرة باسم الخوف من الفتنة، لكنها كانت تنتهي دائمًا إلى النتيجة نفسها: تأجيل قيام الدولة.
من تأجيل الدولة إلى إنكار الزمن
غير أن السنوات الأخيرة حملت معها تحولًا يصعب تجاهله. فالحروب التي دخلها لبنان تحت عناوين متعددة لم تُنتج الوقائع التي بشّر بها أصحابها، بل قادت إلى تبدلات عميقة في موازين القوى، وإلى إعادة طرح سؤال الدولة بوصفه السؤال الوحيد القادر على جمع اللبنانيين. ولم يعد الجدل يدور حول مستقبل المواجهة العسكرية فحسب، بل حول مستقبل الدولة نفسها، وحدود سلطتها، وحقها الحصري في امتلاك قرار الحرب والسلم.
وفي هذا السياق، برزت مفارقة لافتة. فالاعتراف بالتحولات أصبح أصعب لدى بعض القوى من التحولات نفسها. إذ يمكن للهزيمة العسكرية أن تتحول إلى درس تاريخي، أما إنكارها فيحوّلها إلى أزمة سياسية مفتوحة. والتاريخ مليء بأمم خرجت أكثر قوة بعد هزائمها لأنها امتلكت شجاعة المراجعة، كما أنه مليء بأمم أخرى استنزفت نفسها لأنها أصرت على إعادة رواية الماضي بلغة الانتصارات الوهمية.
عندما بدأت الدولة تستعيد صوتها
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم تعد الدولة اللبنانية مجرد مراقب للأحداث. لقد أصبحت هي التي تدير المفاوضات، وتناقش الترتيبات الأمنية، وتخوض اختبارًا سياسيًا يتعلق باستعادة سيادتها على كامل أراضيها.
وقد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل هذه المرحلة، كما قد تختلف قراءاتهم للمفاوضات المباشرة الجارية مع إسرائيل، وللنتائج التي يمكن أن تفضي إليها. غير أن ما يصعب تجاهله هو أن مركز الثقل بدأ ينتقل، ولو ببطء، من التنظيمات إلى المؤسسات، ومن منطق الساحات إلى منطق الدولة. وهذا، في حد ذاته، تحول تاريخي. فقيام الدولة لا يبدأ عندما تختفي الخلافات، بل عندما تصبح مؤسساتها هي المرجع الوحيد لإدارتها.
نفتالين الوطن
في البيوت القديمة، كان النفتالين وسيلة للمحافظة على الثياب. لكن رائحته كانت تعلن دائمًا أن هذه الثياب لم تعد جزءًا من الحياة اليومية، بل أصبحت محفوظة في الخزائن، تنتظر زمنًا قد لا يعود. وهكذا تبدو بعض الخطابات السياسية في لبنان. إنها لا تريد بالضرورة هدم الوطن، لكنها تصر على حفظه داخل خزانة الماضي.
كل تغيير يثير قلقها. وكل خطوة نحو المستقبل تبدو بالنسبة إليها مغامرة غير مأمونة. وكل حديث عن دولة طبيعية يُقابل بمحاولات لإعادة إنتاج الأزمنة التي اعتادت العيش فيها. غير أن الأوطان لا تُحفظ بالنفتالين. فالوطن الذي يُمنع عنه الهواء، لا يبقى كما هو، بل يشيخ بصمت.
العرس الذي طال انتظاره
ربما لم تعد أمارانتا اليوم قادرة على تمزيق فستان العرس كما فعلت في رواية ماركيز. لكنها لا تزال تحاول إقناع الجميع بأن العرس لم يبدأ أصلًا. غير أن الزمن، بخلاف البشر، لا يعرف التراجع. قد يتباطأ، وقد يتعثر، لكنه لا يعود إلى الوراء. ولبنان يقف اليوم أمام لحظة لا تشبه كثيرًا ما سبقها.
ليس لأن جميع أزماته انتهت، ولا لأن الطريق بات خاليًا من العقبات، بل لأن السؤال الذي كان مؤجلًا منذ عقود عاد يفرض نفسه بإلحاح: هل يريد اللبنانيون أن يعيشوا أخيرًا داخل دولة؟ أم أنهم سيبقون أسرى الخوف من قيامها؟
لقد علّمتنا أمارانتا أن الخوف قادر على تأجيل العرس سنوات طويلة. لكنها لم تستطع، في النهاية، أن توقف الزمن. وربما كانت هذه هي الرسالة الأجمل التي يهمس بها الأدب للسياسة: إن الأوطان، مثل البشر، قد تتأخر كثيرًا في الوصول إلى أفراحها، لكنها لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد أسيرة خزائن الماضي، ولا أن تعيش عمرها كله تحت رائحة نفتالين الوطن.
* كاتبة وإعلامية لبنانية – روسية، تعيش في واشنطن













07/07/2026 - 15:28 PM





Comments