الجزء الثاني: رحلة التحرر... معركة الإنسان مع نفسه
لقرائة الجزء الاول يؤجى النقر على الرايط التالي https://beiruttimes.com/article/56530
رشيد ج. مينا
رحلة التحرر لا تبدأ من تغيير الواقع، بل من تغيير الإنسان لنظرته إلى نفسه وإلى الحياة. فالإنسان لا يولد حرًا بمجرد امتلاكه الإرادة، ولا يصبح واعيًا بمجرد امتلاكه المعرفة، بل يبدأ تحرره الحقيقي عندما يتحرر عقله من الخوف، ويغادر دائرة التبعية، ويكتسب القدرة على التفكير المستقل والاختيار المسؤول. إنها معركة صامتة يخوضها كل إنسان مع ذاته قبل أن يخوضها مع العالم من حوله، لأنها معركة بين ما اعتاده وما ينبغي أن يكون، وبين ما ورثه دون تمحيص وما يصل إليه بقناعة وإدراك.
فالخوف لا يقيد الجسد وحده، بل قد يقيد الفكر والإرادة، والجهل لا يحجب المعرفة فحسب، بل يفتح أبواب التضليل والاستغلال، أما التعصب فيدفع الإنسان إلى الدفاع عن أفكار لم يخترها بحرية، بل ورثها أو فُرضت عليه حتى أصبحت جزءًا من يقينه. لذلك فإن التحرر الحقيقي لا يعني رفض الماضي ولا التمرد على كل ما هو قائم، وإنما امتلاك الشجاعة لمراجعة الأفكار، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الثابت والمتغير، وبين ما يخدم الإنسان وما يحول بينه وبين أداء رسالته.
ومن هنا، جاء الدين الحنيف ليخاطب الإنسان باعتباره كائنًا عاقلًا مسؤولًا، لا تابعًا معطل الإرادة. فالقرآن الكريم يدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر والنظر في الأنفس والآفاق، ويجعله مسؤولًا عن سعيه واختياره، لأن الإيمان الذي يقوم على الاقتناع أرسخ من الإيمان الذي يقوم على التقليد، ولأن المعرفة التي تولد من البحث أعمق أثرًا من المعرفة التي تكتفي بالتلقي. فكلما ازداد الإنسان تفكرًا في خلق الله وسنن الحياة، ازداد يقينًا، واتسعت رؤيته، وأصبح أكثر قدرة على إدراك مقاصد الخير والعدل والرحمة.
وانطلاقًا من ذلك، يبقى القرآن الكريم المرجعية الثابتة التي أستند إليها في فهم الإنسان والحياة، لأنه يمثل الأصل الذي لا يتبدل، بينما تبقى كل القراءات والاجتهادات والتفسيرات جهدًا بشريًا نشأ في ظروف تاريخية وثقافية واجتماعية مختلفة، يستفاد منه ويُناقش ويُراجع، دون أن يكتسب صفة الثبات أو العصمة. فالعقل الذي كرّمه الله لا يُطلب منه أن يتوقف عن التفكير، بل أن يحسن استخدامه، وأن يبقى منفتحًا على البحث عن الحقيقة في ضوء القيم التي أرساها القرآن الكريم.
ولا يقتصر بناء الوعي على الجانب الفكري أو الديني وحده، بل يمتد ليشمل كل ما يكوّن شخصية الإنسان؛ من الأسرة إلى المدرسة، ومن الثقافة إلى الإعلام، ومن التجربة الشخصية إلى الواقع الذي يعيشه. فالإنسان يتأثر ببيئته، لكنه ليس أسيرًا لها إذا امتلك الإرادة والمعرفة، وكلما اتسعت مداركه، وتحرر من الأحكام المسبقة، وأصبح قادرًا على مراجعة نفسه، ازدادت قدرته على اتخاذ قراراته بعيدًا عن ضغط الجماعة أو سطوة الدعاية أو إغراء المصالح الضيقة.
ومن هنا، فإن الحرية ليست انفلاتًا من كل قيد، بل تحررًا من كل ما يمنع الإنسان من أداء مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الآخرين. فالحرية الحقيقية تقترن بالمسؤولية، كما يقترن الحق بالواجب، لأن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن مجتمعه، بل هو جزء من نسيج إنساني تتداخل فيه الحقوق والمصالح والقيم. لذلك لا يكون الإنسان حرًا حين يفعل ما يشاء، وإنما حين يختار ما يراه حقًا بعد وعيٍ وإدراك، ويتحمل نتائج اختياره بصدق وأمانة.
وعندما يترسخ هذا الوعي، تتغير نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى محيطه. فلا يعود أسير الانفعالات العابرة أو الشعارات الجاهزة، بل يصبح أكثر قدرة على الحوار، وأكثر استعدادًا للاختلاف دون خصومة، وللتعاون دون تبعية، وللنقد دون هدم. وهنا تتحول الحرية من شعار يُرفع إلى ممارسة يومية، ويتحول الوعي من فكرة مجردة إلى سلوك ينعكس في العمل والعلاقات والالتزام بالقيم.
فبناء الإنسان الواعي ليس غايةً مستقلة، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كل مشروع حضاري. فالمجتمع ليس سوى صورة لمجموع أفراده، والدولة ليست أقوى من مستوى الوعي الذي يحمله مواطنوها. وإذا كان إصلاح الإنسان هو بداية الطريق، فإن إصلاح المجتمع والدولة هو الثمرة الطبيعية لذلك الإصلاح، وهي الثمرة التي تقودنا إلى الحديث عن العلاقة بين الإنسان والمجتمع، وبين الوعي وبناء الدولة، وهو ما يتناوله الجزء التالي.
يتبع.












07/04/2026 - 11:36 AM





Comments