الجزء الأول: الإنسان بين الفطرة والتكوين
رشيد ج. مينا
منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض، وهو يخوض رحلة طويلة بحثًا عن السعادة، وعن الأمن، وعن الحرية، وعن الحقيقة. وقد بنى الحضارات، وأقام الدول، ووضع القوانين، وخاض الحروب، وأنتج الفلسفات، وابتكر العلوم، ومع ذلك بقي السؤال الأكبر يرافقه في كل عصر:
لماذا يعجز الإنسان، رغم كل ما حققه، عن تحقيق السلام مع نفسه، ومع الآخرين، ومع الحياة؟
لعل السبب لا يكمن في نقص الإمكانات، ولا في قلة المعرفة، بقدر ما يكمن في أن الإنسان، وهو يسعى إلى تغيير العالم، نادرًا ما توقف ليسأل نفسه: من أنا؟
ليس اسمي، ولا انتمائي، ولا ديني، ولا قوميتي، ولا مهنتي، بل: من أنا في حقيقتي؟
وهل أنا حقًا ذلك الإنسان الذي خلقه الله، أم أنني الصورة التي صنعتها بي الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والموروث، والسياسة، والإعلام، والخوف، والرغبة، والانتصارات، والانكسارات؟
إن هذا السؤال هو، في تقديري، بداية كل رحلة حقيقية نحو الإنسان.
لقد خلق الله الإنسان على الفطرة، وهي ليست مجرد حالة دينية، بل هي الاستعداد الفطري لمعرفة الحق، وميل النفس إلى الخير، وإدراك الجمال، والشعور بالعدل، والقدرة على التمييز بين ما يسمو بالإنسان وما يحط من إنسانيته. ثم تبدأ بعد ذلك رحلة التكوين، حيث تتداخل عوامل لا حصر لها في رسم الشخصية؛ الأسرة، والتعليم، والبيئة، والثقافة، والموروثات، والسلطة، والتجارب، فتتشكل الذات التي نعيش بها ونظن، في كثير من الأحيان، أنها تمثل حقيقتنا.
غير أن الذات ليست دائمًا انعكاسًا للفطرة.
فقد تحمل في داخلها من النور بقدر ما تحمل من الغبار الذي تراكم عليها عبر السنين.
وقد يصبح الإنسان أسيرًا لأفكار لم يخترها، ومدافعًا عن قناعات لم يناقشها، ومقاتلًا من أجل مواقف لم يصل إليها بعقله، وإنما ورثها أو نشأ عليها أو خاف من مغادرتها.
ومن هنا تبدأ المشكلة.
فالإنسان لا يبحث عن الحقيقة، لأنه يظن أنه يمتلكها.
ولا يراجع نفسه، لأنه يعتقد أن ذاته هي الحقيقة.
وهنا يصبح الفرق كبيرًا بين الفطرة التي خلقها الله، وبين الشخصية التي صنعتها الظروف.
ولذلك فإن الحديث عن المصالحة مع الذات يحتاج إلى كثير من الدقة.
فالمصالحة مع الذات لا تعني أن يرضى الإنسان عن كل ما أصبح عليه، ولا أن يبرر أخطاءه وسلوكياته بحجة أنه "يتقبل نفسه".
إنها تعني شيئًا مختلفًا تمامًا.
تعني أن يمتلك الشجاعة ليقف أمام نفسه دون خوف أو تبرير، فيسأل:
أيُّ ما أحمله اليوم هو أنا حقًا، وأيُّه مجرد تراكمات صنعتها البيئة والزمان؟
إنها ليست دعوة إلى قبول الذات، بل إلى اكتشافها.
وليست دعوة إلى تثبيت الواقع، بل إلى مراجعته.
فالإنسان الذي يتصالح مع ذاته لا يتصالح مع أخطائها، وإنما يتصالح مع الحقيقة التي تكشف له تلك الأخطاء.
وهنا يصبح الصدق مع النفس أول شروط الحرية.
إن أخطر أنواع العبودية ليست أن يُستعبد الجسد، بل أن يُستعبد العقل، فيفقد الإنسان القدرة على السؤال، ويكتفي بتكرار ما يسمعه، أو الدفاع عما ورثه، أو مهاجمة كل ما يخالفه، لا لأنه باطل، بل لأنه مختلف.
ولهذا لم يكن العقل في الرؤية الإلهية مجرد وسيلة للمعرفة، بل أداة للتحرر.
فالقرآن الكريم لا يخاطب الإنسان بوصفه تابعًا، وإنما يخاطبه بوصفه كائنًا يعقل، ويتفكر، ويتدبر، وينظر، ويسير في الأرض، ويعتبر.
ولم يكن ذلك عبثًا.
لأن الإنسان لا يستطيع أن يتحرر ما لم يمتلك عقلًا قادرًا على مراجعة ذاته قبل مراجعة الآخرين.
غير أن تحرير العقل لا يعني الثورة على كل شيء، كما لا يعني رفض الموروث لمجرد أنه موروث.
فالتراث الإنساني يحمل خبرات عظيمة، كما يحمل أخطاءً عظيمة.
والمجتمع يحمل قيمًا نبيلة، كما يحمل عادات تستحق المراجعة.
والثقافة قد تكون بابًا للنهضة، وقد تتحول إلى قيد يمنع النهضة.
ومن هنا، فإن التحرر لا يعني الهدم، بل يعني التمييز.
التمييز بين ما ينسجم مع الفطرة، وما يناقضها.
وبين ما يخدم إنسانية الإنسان، وما يحول بينه وبينها.
وهذا لا يتحقق إلا إذا امتلك الإنسان تواضعًا فكريًا يجعله يعترف بأن ما يؤمن به اليوم قد يحتاج إلى مراجعة غدًا، وأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد أو جماعة أو أمة.
إن أكثر ما يعطل رحلة الإنسان نحو الحقيقة هو اعتقاده أنه وصل إليها.
أما الباحث الحقيقي، فإنه كلما ازداد علمًا، ازداد تواضعًا، وكلما اتسعت رؤيته، ازداد يقينًا بأن الحقيقة لا تُطلب بالعصبية، ولا تُفرض بالقوة، وإنما تُكتشف بالبحث الصادق، والعقل الحر، والقلب المنفتح.
ومن هنا تبدأ الرحلة.
ليست رحلة إلى مكان جديد...
بل رحلة عودة.
عودة إلى الإنسان قبل أن تكتبه الصراعات.
وقبل أن تعيد تشكيله المصالح.
وقبل أن تحاصره المخاوف.
وقبل أن تحجبه الأوهام عن رؤية نفسه كما خلقها الله.
فكل ما يبتعد بالإنسان عن الحقيقة، يبعده عن ذاته.
وكل خطوة يخطوها نحو الحقيقة، هي خطوة في طريق العودة إلى ذاته الأولى.
يتبع...










07/03/2026 - 15:44 PM





Comments