بقلم: د. محمد نصار
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين مجرد منافسة اقتصادية أو حرب تجارية، بل تحول إلى صراع شامل على النفوذ العالمي، وأصبحت منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي واحدة من أهم ساحات هذا التنافس، لما تمتلكه من موقع جغرافي استثنائي، وثروات طاقوية هائلة، وممرات بحرية تعد شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية.
فالمنطقة التي كانت لعقود طويلة تحت مظلة النفوذ الأمريكي، تشهد اليوم دخولًا صينيًا متسارعًا يعتمد على الاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية، في حين تتمسك واشنطن بتحالفاتها العسكرية والأمنية التاريخية ، وبين الطرفين، تحاول دول المنطقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، صياغة سياسة جديدة تقوم على تنويع الشراكات وتحقيق المصالح الوطنية بعيدًا عن سياسة الاستقطاب.
أمريكا... نفوذ القوة والتحالفات
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نجحت الولايات المتحدة في ترسيخ وجودها العسكري والسياسي في الخليج العربي، عبر قواعد عسكرية واتفاقيات دفاعية وشبكة واسعة من التحالفات مع دول المنطقة.
ولا تزال واشنطن ترى أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، لما تمثله المنطقة من أهمية في استقرار أسواق الطاقة العالمية، إضافة إلى حماية طرق التجارة الدولية، والحفاظ على أمن حلفائها، ومنع تمدد القوى المنافسة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
ورغم إعلان الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ أصبحت الأولوية الاستراتيجية، فإن الواقع يؤكد أن الولايات المتحدة لا تستطيع الانسحاب من الشرق الأوسط، لأن أي فراغ ستملؤه قوى دولية أخرى.
الصين... طريق الحرير الجديد
في المقابل، اختارت الصين طريقًا مختلفًا يعتمد على الاقتصاد قبل السياسة، والاستثمار قبل القوة العسكرية.
فبكين أصبحت أكبر مستورد للنفط من دول الخليج، كما ضخت استثمارات ضخمة في مشروعات الموانئ، والطاقة، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، التي تستهدف إعادة رسم خريطة التجارة العالمية.
كما نجحت الصين في تقديم نفسها كوسيط سياسي مقبول لدى العديد من دول المنطقة، وهو ما ظهر في نجاحها في رعاية استئناف العلاقات بين السعودية وإيران، في خطوة عكست تنامي الدور الصيني خارج الإطار الاقتصادي.
السعودية... اللاعب الأكثر تأثيرًا
تمثل المملكة العربية السعودية نقطة الارتكاز في معادلة التوازن الدولي داخل المنطقة، فهي أكبر اقتصاد عربي، وأحد أكبر منتجي النفط في العالم، وصاحبة ثقل سياسي وديني كبير.
وخلال السنوات الأخيرة، تبنت الرياض سياسة تقوم على تنويع العلاقات الدولية، فاحتفظت بتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه عززت شراكاتها مع الصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي.
وتسعى المملكة من خلال هذه السياسة إلى تحقيق أهداف "رؤية السعودية 2030"، وجذب الاستثمارات العالمية، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات المتقدمة، دون الارتهان لطرف دولي واحد.
دول الخليج... سياسة التوازن الذكي
لم تعد دول الخليج تنظر إلى العالم بمنطق الحرب الباردة، بل تتبنى سياسة تقوم على تنويع الشركاء.
فالولايات المتحدة ما تزال الشريك الأمني والعسكري الرئيسي، بينما أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد منح هذا التوازن دول الخليج قدرة أكبر على المناورة السياسية، وتعزيز استقلالية القرار الوطني، والاستفادة من المنافسة بين القوى الكبرى لتحقيق التنمية الاقتصادية.
أين تقف الدول العربية؟
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا في السياسة الخارجية لعدد من الدول العربية، التي أصبحت أكثر ميلًا إلى تحقيق مصالحها الوطنية بعيدًا عن سياسة الاصطفاف.
فالقاهرة والرياض وأبوظبي والدوحة ومسقط تسعى جميعها إلى إقامة علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين، إدراكًا بأن المستقبل سيكون قائمًا على تعدد مراكز القوة، وليس على هيمنة قطب واحد.
من يسيطر على الشرق الأوسط؟ الإجابة ليست بسيطة ، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك النفوذ العسكري الأكبر، والأساطيل البحرية، والقواعد العسكرية، وشبكة التحالفات الأمنية.
أما الصين، فتملك أدوات اقتصادية هائلة، وتعد الشريك التجاري الأول لمعظم دول المنطقة، كما تتوسع تدريجيًا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاستثمار.
وبالتالي فإن الشرق الأوسط لا يخضع اليوم لسيطرة قوة واحدة، بل يشهد توازنًا بين النفوذ العسكري الأمريكي، والنفوذ الاقتصادي الصيني، بينما تسعى دول المنطقة إلى استثمار هذا التنافس لتحقيق أكبر قدر من المكاسب.
مستقبل الصراع
خلال العقد القادم، من المرجح أن تزداد المنافسة بين واشنطن وبكين داخل الشرق الأوسط، لكنها ستتركز بصورة أكبر في مجالات التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات، والموانئ، وسلاسل الإمداد، أكثر من كونها مواجهة عسكرية مباشرة.
وسيظل نجاح دول المنطقة مرهونًا بقدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، واستثمار هذا التنافس العالمي في تعزيز التنمية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا
لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة للصراعات الإقليمية، بل أصبح أحد أهم ميادين المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على قيادة النظام الدولي الجديد. وبين النفوذ العسكري الأمريكي والصعود الاقتصادي الصيني، تبرز السعودية ودول الخليج كقوى إقليمية تمتلك هامشًا واسعًا للمناورة، مستفيدة من سياسة التوازن، وتحويل الصراع بين القوى الكبرى إلى فرص للتنمية والاستقرار، بدلاً من أن تكون ساحة لصراع النفوذ













07/01/2026 - 13:35 PM





Comments