الحوار في لبنان: أزمة إرادة أم أزمة وسيلة؟

07/01/2026 - 13:27 PM

Arab American Target

 

 

 

 رشيد ج. مينا

في أحاديث ومقالات سابقة، كانت مسألة الحوار الوطني تشكل ركيزة أساسية في الدعوة إلى إيجاد مشروع وطني قادر على إخراج لبنان من النفق الذي دخله منذ عقود. فالحوار ليس مجرد شعار سياسي أو وسيلة لإدارة الخلافات الآنية، بل هو أداة أساسية للتفاهم بين المكونات المختلفة، وفض النزاعات بطرق سلمية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وفتح قنوات التواصل والتعايش، وهي جميعها عناصر يحتاج إليها لبنان بصورة جدية وملحة.

إلا أن هذه الدعوة كثيرًا ما تواجه بانتقادات تعتبر أن اللبنانيين جربوا الحوار طوال عقود من الزمن من دون أن يصلوا إلى نتائج حاسمة أو حلول مستدامة، وأن التجارب السابقة لم تنتج سوى تسويات مؤقتة سرعان ما كانت تنهار أمام أول أزمة أو تحول سياسي.

وأنا أتفهم هذه الانتقادات وأسبابها. فمن الناس من أصابه اليأس والإحباط نتيجة التجارب السابقة، ووصل إلى قناعة باستحالة التفاهم بين القوى اللبنانية. ومنهم من تحكم مواقفه ارتباطات خارجية أو تبعية لأجندات لا تتطابق مع المصلحة الوطنية اللبنانية. كما أن هناك من يجد في استمرار الانقسام والتوتر مصلحة سياسية أو فئوية تدفعه إلى التصدي لأي محاولة جدية للحوار أو عرقلة مساراته.

غير أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحوار مجديًا أم لا، بل لماذا لم تؤدِ الحوارات السابقة إلى النتائج التي كان اللبنانيون يتطلعون إليها؟

في اعتقادي، لم تكن المشكلة يومًا في الحوار كوسيلة، بل في غياب الإرادة الوطنية الصادقة القادرة على تحويل الحوار إلى مدخل لمعالجة الأزمات. فالحوار بحد ذاته لا يصنع المعجزات، ولا يستطيع أن يحقق أهدافه إذا دخل إليه المتحاورون وهم متمسكون بمصالحهم الفئوية، أو مرتبطون بحسابات خارجية، أو ينظرون إليه بوصفه وسيلة لكسب الوقت وتحسين شروط التفاوض لا أكثر.

ولو كانت المشكلة في الحوار نفسه، لما لجأت إليه الدول والمجتمعات في معالجة نزاعاتها وأزماتها الكبرى. فعندما تنشب الحروب أو تتفاقم الخلافات بين الدول، يبقى الحوار والتفاوض الطريق الطبيعي للوصول إلى الحلول، حتى عندما يجري ذلك عبر مؤسسات دولية كثيرًا ما تتعرض للانتقاد بسبب عجزها أو تحيزها أو خضوعها لتأثير الدول الكبرى.

وفي المقابل، جرب اللبنانيون على مدى عقود وسائل أخرى كثيرة. جربوا العنف، وجربوا السلاح، وجربوا القتال، وجربوا الاستقواء بالخارج، وكانت النتيجة في كل مرة مزيدًا من المآسي والانقسامات والتدخلات الخارجية. ولم تكن تلك الصراعات في معظم محطاتها تعبيرًا عن مشروع وطني جامع أو سعيًا إلى تغيير إيجابي حقيقي، مهما رفعت من شعارات وطنية أو قومية أو إنسانية.

لقد دفعت جميع الطوائف والقوى السياسية أثمان تلك المواجهات، كما دفع لبنان بأكمله ثمن تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات والصراعات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، لم تنجح تلك الوسائل في بناء دولة قوية أو تحقيق استقرار دائم أو إنهاء التدخلات الخارجية، بل أدت في كثير من الأحيان إلى تعميق الأزمات وتوسيع هوة الانقسام بين اللبنانيين.

من هنا، يبقى الحوار الوسيلة الأكثر قدرة على معالجة المشكلات وإيجاد الحلول وتوليد مشروع وطني وحدوي يشكل نقيضًا لكل الطروحات التفكيكية والانقسامية. مشروع يقوم على الدولة ومؤسساتها، واستعادة القرار الوطني، وحصرية السلاح بيد القوى الشرعية، وتحقيق الانسحاب من الأراضي المحتلة، وبسط سيادة الدولة والقانون، وإيجاد آليات ديمقراطية فعالة تفتح الطريق أمام تطوير النظام السياسي بما يلبي طموحات اللبنانيين وتطلعاتهم.

غير أن نجاح أي حوار يبقى مرهونًا بصدقية القوى المشاركة فيه، وقدرتها على التحرر من الارتباطات والتبعيات الخارجية، وتغليب المصلحة الوطنية على ما عداها. وإلا فإن لبنان سيبقى يدور في الحلقة نفسها، ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين وتصفية حساباتهم.

وصحيح أن وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف هدفت إلى وضع لبنان على سكة الحل، وأحدثت تعديلات دستورية مهمة، إلا أنها لم تنجح في إخراج البلاد من النفق بصورة كاملة، ليس بسبب النصوص بحد ذاتها، بل بسبب عدم استكمال تنفيذها وتغليب المصالح الفئوية والخارجية على أهدافها الوطنية. وكذلك الأمر بالنسبة لأي اتفاق أو تفاهم جديد، إذ لا يمكن لأي تفاهم منفرد أن يشكل حلًا نهائيًا لأزمة تراكمت أسبابها على مدى عقود طويلة.

إن مشكلة لبنان ليست في الحوار كوسيلة، بل في انعدام الإرادة الصادقة التي تجعل الحوار منتجًا وقادرًا على الوصول إلى نتائج فعلية. ولذلك فإن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس التخلي عن الحوار، بل توفير شروط نجاحه:

 إرادة وطنية حقيقية، وتحرر من التبعية للخارج، وحاضنة عربية داعمة لا تحكمها الحسابات الضيقة، بل مصلحة لبنان واستقراره وسيادته.

وعندها فقط يمكن للحوار أن يتحول من مناسبة سياسية عابرة إلى مدخل فعلي لبناء الدولة واستعادة الوطن، ومن وسيلة لإدارة الأزمات إلى وسيلة لإنهائها، ومن محطة مؤقتة في مسار الانقسام إلى نقطة انطلاق نحو مشروع وطني جامع يضع لبنان أخيرًا على طريق الخروج من النفق الذي طال انتظاره.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment