تفكيك سلطة الثقافة: تجربة ناجي نعمان وإعادة تعريف الأدب

06/25/2026 - 11:10 AM

Prestige Jewelry

 

 

فاروق غانم خداج *

حين تتحول المجانية إلى سؤال عن معنى الاعتراف الأدبي وحدود الحرية الثقافية، هل يمكن للثقافة أن تبقى فعلًا حرًا إذا خضعت لمنطق السوق أو احتكار المؤسسات؟ أم أن الحرية تبدأ حين تتحرر الكلمة من فكرة "الملكية" ذاتها؟

تبدو هذه الأسئلة اليوم أكثر إلحاحًا في مشهد ثقافي تتداخل فيه قيمة النص مع آليات الاعتراف، بحيث لم يعد العمل الأدبي يُقاس فقط بما يقدمه من معنى، بل أيضًا بما يمنحه له سياق النشر من حضور وشرعية. وفي الخلفية، يظل القارئ نفسه ــ ذلك الذي يقرأ في عزلة هادئة أو في لحظة انقطاع عن ضجيج العالم ــ جزءًا من هذه المعادلة، حتى وإن بدا خارجها.

في هذا السياق، يبرز مشروع ناجي نعمان بوصفه محاولة لإعادة التفكير في شروط الكتابة نفسها، لا بوصفها إنتاجًا لغويًا فحسب، بل بوصفها علاقة جديدة بين النص وتداول الثقافة. وقد تعرّفت إلى هذا المشروع عبر الأديب يوسف طراد، أحد المكرّمين في إطار جوائز ناجي نعمان الأدبية. غير أن هذا التعرف لا يكتسب أهميته من الحدث الشخصي، بل من السؤال النقدي الذي يفتحه: كيف يُبنى الاعتراف الأدبي؟ وهل يُمنح من الخارج أم يتكوّن داخل النص نفسه؟.

الأديب ناجي نعمان 

النص بوصفه لحظة مكثفة للمعنى

في حوار منشور في "المجلة العربية"، يقدّم الأديب ناجي نعمان مثالًا على أسلوبه المكثف حين يقول: "عندما تضربك الصاعقة على رأسك، لا تنتظر سماع صوت الرعد". وتكشف هذه الجملة بنية تفكير تقوم على المفاجأة الدلالية، حيث لا يُبنى المعنى عبر التدرّج، بل عبر الصدمة المباشرة. فالنص هنا لا يشرح التجربة، بل يخلق لحظة إدراك فوري تُربك القارئ بقدر ما تفتح أمامه أفقًا جديدًا للفهم.

بهذا المعنى، تتحول الكتابة من وسيلة تفسير إلى لحظة كشف، ومن سرد ممتد إلى ومضة مكثفة تُضغط فيها الدلالة إلى أقصى حدودها. وهنا تتجلى خصوصية المشروع: فالكتابة ليست امتدادًا لغويًا، بل انقطاعًا محسوبًا داخل اللغة نفسها.

إعادة توزيع السلطة الثقافية

لا يشتبك مشروع ناجي نعمان مع السلطة الثقافية عبر الصدام المباشر، بل عبر إعادة تشكيل بنيتها الداخلية. ويمكن رصد ذلك من خلال ثلاث آليات أساسية.

أولًا، تحويل الثقافة من سلعة قابلة للتداول التجاري إلى ممارسة مجانية تُضعف منطق التبادل الاقتصادي الذي يحيط بالإنتاج الثقافي.

ثانيًا، كسر احتكار المؤسسات التقليدية عبر فتح فضاء أوسع للنشر يتيح تعدد الأصوات وتلاقي تجارب مختلفة.

ثالثًا، إعادة تعريف الجائزة الأدبية من أداة فرز وانتقاء إلى مساحة عبور للنصوص والكتّاب.

لكن هذا التحول لا يعني اختفاء السلطة، بل انتقالها إلى شكل مختلف. وهنا يبرز سؤال نقدي مشروع: هل تتحول المجانية إلى سلطة رمزية بديلة، أم أنها تمثل تفكيكًا فعليًا لمنطق الهيمنة الثقافية؟

ما يمكن ملاحظته أن السلطة لا تختفي تمامًا، بل تتحول من سلطة إقصاء إلى سلطة أثر، قائمة على الامتداد لا على المنع.

النص القصير كاقتصاد للمعنى لا يُفهم النص القصير في هذا المشروع بوصفه اختزالًا شكليًا، بل بوصفه ممارسة لغوية تقوم على الضغط الدلالي إلى أقصى درجاته.

كل كلمة تُستعمل بوصفها عنصرًا بنيويًا ضروريًا، ما يخلق اقتصادًا لغويًا صارمًا يقلّص فائض التعبير ويضاعف كثافة المعنى. وبهذا يتحول النص إلى بنية عالية التوتر، حيث يصبح الصمت بين الكلمات جزءًا من الدلالة نفسها. وهنا يقترب القارئ من تجربة مختلفة؛ قراءة لا تمر بهدوء، بل تترك أثرًا يشبه فكرة لم تكتمل لكنها تواصل عملها في الداخل.

الثقافة كحالة تداول حر

يتجاوز مشروع ناجي نعمان فكرة الثقافة بوصفها إنتاجًا معرفيًا إلى كونها حالة تداول حر للمعنى. غير أن هذا التداول لا يحدث خارج السلطة، بل يعيد إنتاجها في صيغة مختلفة: سلطة رمزية تقوم على الانتشار بدل الاحتكار، وعلى التأثير بدل المنع.

وفي هذا الجانب تحديدًا، تكتسب التجربة بعدًا يتجاوز حدود المكان اللبناني. فالاغتراب اللبناني لم يكن يومًا مجرد انتقال جغرافي، بل كان أيضًا انتقالًا للغة والذاكرة والهوية. ومن خلال انفتاح جوائز ناجي نعمان ومشاريعه الثقافية على عشرات البلدان واللغات، تبدو الثقافة هنا وسيلة وصل لا أداة فصل، وجسرًا بين الداخل اللبناني وامتداداته الإنسانية في العالم.

وبذلك لا يعود الاغتراب انقطاعًا عن الجذور، بل صورة أخرى من حضورها، حيث يتحول النص إلى حامل للهوية الثقافية في فضاء أوسع من الحدود الجغرافية.

موقع التجربة في المشهد الأدبي

لا ينتمي مشروع ناجي نعمان إلى مدرسة أدبية مغلقة، بل إلى فضاء تجريبي يعيد التفكير في مفهوم الكتابة ذاته. ومع ذلك، يثير هذا النوع من المشاريع تحديًا نقديًا يتعلق بمدى قدرة النماذج النصية المتاحة على تمثيل تجربة مفتوحة بهذا الشكل، وهو تحدٍّ طبيعي في المشاريع التي لا تُبنى على نظرية واحدة أو إطار جمالي مغلق.

لكن القيمة الأساسية لهذا المشروع لا تكمن في اكتماله النظري، بل في قدرته على إنتاج أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، وعلى تحويل الكتابة من خطاب وصفي إلى أداة تفكير نقدي.

خاتمة: الكتابة كفعل ثقافي

لا تكمن أهمية تجربة ناجي نعمان في عدد الكتب التي نشرها أو الجوائز التي أطلقها فحسب، بل في السؤال الذي تطرحه على الثقافة العربية اليوم: هل تبقى الكلمة حرة حين تصبح أسيرة السوق أو المؤسسة؟

قد لا يتفق الجميع مع كل جوانب هذا المشروع، لكن يصعب تجاهل أنه نجح في فتح مساحة مختلفة للتداول الثقافي، وفي منح كثير من الكتّاب فرصة العبور إلى قرّاء لم يكونوا ليصلوا إليهم بالوسائل التقليدية.

في زمن تتراجع فيه القراءة أمام إيقاع الاستهلاك السريع، تبدو تجربة ناجي نعمان تذكيرًا بأن الثقافة ليست سلعة فحسب، ولا امتيازًا لفئة محددة، بل فعل مشاركة ومعنى. وربما هنا تكمن القيمة الأعمق لهذا المشروع: أنه لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في علاقة الأدب بالحرية، وعلاقة الكاتب بالقارئ، وعلاقة الثقافة بالمجتمع.

ولعلّ ما بدأ بالنسبة إليّ بتعرّف عابر إلى هذا المشروع عبر الأديب يوسف طراد، انتهى إلى تأمل أوسع في معنى الاعتراف الأدبي نفسه، وفي قدرة الثقافة على تجاوز الحدود التي تفرضها المؤسسات والسوق معًا. فالقضية في النهاية ليست جائزة أو اسمًا أو مؤسسة، بل السؤال الذي يبقى مفتوحًا: كيف يمكن للكلمة أن تظل حرة، وأن تحتفظ بقدرتها على صناعة المعنى في عالم يزداد انشغالًا بكل شيء إلا الثقافة؟.

 

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment