الكاتب اسعد عبدالله عبدعلي
لم يكن ارتحال الإمام الحسين (ع) صوب أرض العراق مجرد هجرة عابرة، أو خروجاً عفوياً تملّته ضغوط اللحظة ومضايقات السلطة، كما لم يكن مناورة سياسية ناتجة عن ضيق الخيارات وانسداد الآفاق دون دراسة عميقة للتاريخ وموازين القوى. إنما كان ذلك الزحف قراءة دقيقة في جغرافيا سياسية وعقائدية بالغة التعقيد، فرضتها طبيعة المرحلة التاريخية الحرجة التي مرت بها الأمة الإسلامية وهي تقف عند مفترق طرق وجودي.
وعند إلقاء نظرة فاحصة على الخارطة الجيوسياسية الممتدة آنذاك، تتضح معالم الاضطرار الموضوعي الذي وجّه بوصلة الثورة نحو الفرات؛ فالشام كانت قد تحولت إلى معقل حصين للسلطة الأموية، وأرضاً طيعة جرى تدجينها عقائدياً وإعلامياً على مدى عقود، حتى غدت حاضرة لا ترى الإسلام إلا من خلال بني امية، مما يجعل أي حركة تصحيحية في ربوعها أشبه بالانتحار المعزول الذي يسهل طمسه وتشويهه.
وفي المقابل، كانت المدينة المنورة ومكة المكرمة تمثلان الحواضر الروحية والمقدسة للأمة، غير أنهما افتقرتا بالكامل إلى العدة العسكرية والقوة العددية اللازمة لمواجهة الآلة الحربية الشامية، فضلاً عن حرص الإمام الحسين البالغ وعقيدته الراسخة في صون حرمة مكة والبيت الحرام، ورفضه المطلق لأن يُسفك دم في رحاب الحرم الآمن أو تُنتهك قدسيته للتغطية على جريمة اغتياله النكراء التي كانت تُدبر في خفاء القصور.
أما الأقاليم الأخرى كاليمن ومصر، فرغم نبض جمر الولاء في بعض جيوبها الساكنة وظهور ملامح التعاطف مع آل البيت في قلوب ثلة من أهلها، إلا أنها كانت تقع في أطراف الجغرافيا البعيدة تكتيكياً وسياسياً عن مركز الثقل والقرار الفاعل في صياغة مستقبل الأمة، فلو أن الحسين (ع) انزوى في جبال اليمن أو نأى بنفسه في وادي النيل، لظلت حركته معزولة عن مجرى الصراع الأساسي ولن تملك القدرة على هز العروش الهامدة في الشام.
وسط هذا الانغلاق الشامل والانسداد المتكامل في عواصم الإسلام، برز العراق وتحديداً الكوفة، لا كبقعة جغرافية عادية، بل كخيار موضوعي واستراتيجي حتمي، فرضته معطيات التاريخ الحي، ونداءات الرسائل التي حملت بيعات الآلاف، ليكون المصر العسكري الأقوى والساحة التاريخية المهيأة لاندلاع المواجهة الفاصلة بين الحق وبهرج السلطة الزائف. وهنا نطرح بعض الآراء المهمة لعلمائنا الاعلام حول اسباب اختيار الامام الحسين لأرض العراق.
· اولا: رأي الشيخ المفيد (ت 413 هـ):
في قراءة الشيخ المفيد العميقة لمسار الثورة الحسينية، كما تجلت في سفره الخالد "الإرشاد"، يبرز البعد الالتزامي والشرعي كعصب محرك لا يمكن تجاوزه في فهم حركة الإمام الحسين (ع). إن تلك اللحظة التاريخية التي انهمرت فيها رسائل البيعة وتواترت عهود النصرة من أهل الكوفة، والتي بلغت آلاف الصكوك والكتب الممهورة بدم الشوق والولاء، لم تكن مجرد مكاتبات سياسية عابرة، بل كانت زلزالاً جغرافياً وعقائدياً ألقى بظلاله على عاتق الإمام، ليخلق مسؤولية شرعية مباشرة وصارمة يعبر عنها في الفكر الكلامي والفهقي بـ "إتمام الحجة".
ويرى الشيخ المفيد أن هذه السيول من العهود الصريحة والملحة، والتي تدفقت من مئات الأعيان والوجهاء والآلاف من القواعد الشعبية المحتشدة في أزقة العراق، صاغت معادلة لا مفر من الاستجابة لها؛ إذ لو أدار الإمام ظهره لهذه الدعوات الصارخة والتزم العزلة في حواضر الحجاز، لصار ملوماً في الظاهر أمام وجدان التاريخ ومحكمة الأمة اللاحقة، ولاتُّهِم بترك نصرة الحق والتقاعس عن إغاثة المظلومين وهو يملك "بحسب الحسابات المادية والمعطيات الظاهرة" قاعدة عسكرية كبرى، وجيشاً كبيرا هائلاً ينتظر قيادته ليرفع راية العدل.
ومن هنا، يقرر الشيخ المفيد أن الخروج صوب العراق لم يكن ترفاً أو مغامرة غير محسوبة، بل كان التزاماً بواجبه الإمامي والشرعي، إذ لم يكن يسعه من الناحية الفقهية ولا من جهة الحنكة السياسية أن يتجاهل هذا النداء المجلجل القادم من الكوفة، فكان التقدم نحو الميدان حتمية أخلاقية ورسالية لتفنيد كل الأعذار وإظهار حقيقة المواقف أمام أجيال الأمة.
· ثانيا: رأي الشيخ الطوسي (ت 460 هـ):
ينطلق شيخ الطائفة الطوسي من عمق الرؤية الكلامية والمنظومة الفقهية الصلبة ليفكك أبعاد حركة الإمام المعصوم، متجاوزاً السطح التاريخي نحو الغايات العقائدية الكبرى التي سيرت هذا النهوض التاريخي.
ويرى الشيخ الطوسي أن توجه الإمام الحسين (ع) صوب العراق لم يكن اندفاعاً عاطفياً، بل كان امتثالاً حتمياً واستجابة عليا لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على اقتلاع جذور الواقع الفاسد الذي أخذ ينهش في جسد الأمة، وذلك بعد أن توفر له الناصر والظهير، ولو في الحسابات الأولية والظاهرية للمعركة.
وبناءً على هذه الرؤية الرصينة، يتصدى الشيخ الطوسي بالرد والتحليل لتلك الشبهة الواهية التي حاولت تصوير المسير نحو الكوفة على أنه ضرب من الإقدام غير المحسوب أو "إلقاء للنفس في مهالك الفناء"؛ فيوضح ببيان فقهي حاسم أن الإمام بنى خطته وتحركه على معطيات موضوعية متكاملة، قوامها العهود الموثقة، والمواثيق الغليظة، والجيش العقائدي المفترض وجوده في الكوفة، والمستعد لإقامة صرح الحق.
وبالتالي، فإن هذا التحرك كان تلبية لفرض التغيير وإصلاح الأمة حين لاحت فرصته، في حين أن الركون والبقاء في غمد المدينة المنورة أو مكة المكرمة لم يكن ليعني السلامة أبداً، بل كان سيؤدي يقيناً إلى اغتياله غدراً وتحت جنح الظلام، ليضيع دمه الطاهر دون أن يتحقق من وراء موته أي مكسب رسالي، أو صدمة واعية توقظ ضمير الأمة المنسي وتزلزل عروش الطغيان.
· ثالثا: راي المرجع السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ):
ينظر زعيم الحوزة العلمية المرجع الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي إلى مأساة الطف من منظار فقهي صرف، يستبطن الدقة والعمق في تشخيص موضوع التكليف الشرعي ومناطه الذي حتم على الإمام الحسين (ع) اتخاذ قراراته المصيرية في تلك اللحظة التاريخية الفارقة. ويرى السيد الخوئي أن نهضة الإمام الحسين لم تكن بوجه من الوجوه مغامرة سياسية خاضعة للتخمينات المادية، بل كانت امتثالاً خالصاً وتطبيقاً دقيقاً لتكليف شرعي إلهي تعيَّن في عنقه بشكل شخصي وحتمي بمجرد أن أعلن رفضه القاطع لبيعة يزيد بن معاوية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يحلل الخوئي خارطة الحواضر الإسلامية ليخلص إلى أن كل العواصم والبدائل المتاحة كانت "منسدة" تماماً أمام الإمام ولم تكن لتقدم حلاً رسالياً؛ فالجمهورية الجبلية في اليمن وإن كانت تمتاز بوعورة التضاريس التي تمنح المقاتل حصانة جغرافية، إلا أنها كانت قاصية ومعزولة عن مركز القرار الفاعل في الأمة، ولم تكن أي ثورة تنطلق من شعابها لتترك أثراً وازناً يعيد للوعي الإسلامي العام بوصلته المفقودة، في حين كانت الشام حاضرة مستحيلة الإقناع والتحريك، وكانت مكة المكرمة مهددة بالاستباحة وانتهاك الحرمات إذا ما جعلها الإمام منطلقاً للحرب. وسط هذا الانسداد الشامل، تعيَّن العراق وتحديداً الكوفة كوجهة وحيدة وإلزامية، كونها المِصر الذي يمنح حركة الإمام غطاءً شرعياً وشعبياً ظاهرياً تتوافر فيه القوة والمنعة، مما جعله الميدان الأوحد المتاح لمجابهة الطغيان وصناعة الهزة الوجدانية التي حفظت للدين جوهره وخلدت مظلومية آل البيت في ضمير الأجيال.
· رابعا: راي الإمام السيد روح الله الخميني (ت 1409 هـ):
يقدم الإمام السيد روح الله الخميني قراءة فكرية وثائرة تشع بالحركية السياسية والوعي المؤسساتي للثورة الحسينية، متجاوزاً الأطر السردية الضيقة ليركز بالتحليل على الهدف الأسمى المتمثل في إقامة صرح العدل الإلهي وتقويض أركان الطاغوت الاستبدادي. ويرى أن توجه الإمام الحسين (ع) نحو أرض العراق لم يكن تحركاً تراجيدياً غايته مجرد طلب الاستشهاد ونيل الكرامة الأخروية دون غاية عملية، بل كان زحفاً استراتيجياً هادفاً وواعياً يسعى بالدرجة الأولى إلى تجسيد أطروحة الحكم الرسالي وعمارة الأرض عبر إقامة الحكومة الإسلامية العادلة، والعمل على هدم عروش البغي الأموي وتفكيك منظومته من قلب مركز ثقله المعارض والمتمثل في إقليم العراق.
ومن هنا، يرى أن الكوفة في تلك البرهة التاريخية كانت هي الحاضرة الإسلامية الوحيدة المهيأة بتركيبتها البشرية والعسكرية، وخزانها المقاتل، لتبني هذا المشروع النهضوي الشامل، وتوفير القوة المادية والغطاء الجماهيري اللازمين لكسر شوكة الظلم الحاكم وتغيير موازين القوى.
ولأجل هذه الغايات السامية، غدا الذهاب إلى العراق واجباً استراتيجياً وتكليفاً حركياً يبتغي اقتلاع بنية السلطة الفاسدة من جذورها، وإعادة صياغة واقع الأمة وفق موازين القسط والحرية التي جاء بها الدين الحنيف.
· خامسا: راي المرجع الاعلى السيد السيستاني حفظه الله
تتبلور رؤية المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) حول نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ودوافع حركته نحو العراق عبر خطب الجمعة الصادرة عن ممثلي المرجعية، وبياناته في المناسبات عاشورائية، حيث ينظر إلى هذه الحركة بوصفها رسالة إصلاحية وجودية ذات أبعاد أخلاقية واجتماعية لا مغامرة سياسية عابرة.
فالمرجعية العليا ترى أن ارتحال السبط الشهيد صوب العراق لم يكن جرياً وراء سلطة زمنية، ولا مناورة سياسية غايتها مغالبة الخصوم في حسابات الربح والخسارة المادية، وإنما كان انطلاقة مبدئية فرضها الانقلاب الخطير على القيم الحاكمة في الأمة. وعند هذا المفترق الوجودي، يرى السيد السيستاني أن خروج الإمام كان استجابة لنداء المسؤولية التاريخية لحفظ جوهر الإسلام من المحو والتحريف؛ فحين انغلق الأفق في حواضر الحجاز التي أريد لها أن تكون مسرحاً لتصفية الإمام غدراً دون صدى، وحين تحولت الشام إلى جدار عقائدي سميك بفعل التضليل، تعيَّن العراق في المنظور الإلهي والموضوعي كساحة وحيدة للاختبار وفرز المواقف.
ويركز السيد السيستاني في تأملاته للنهضة الحسينية على قضية "العهد والمواثيق" التي حملتها رسائل أهل الكوفة؛ حيث لم تكن تلك الرسائل مجرد أوراق بيعة، بل كانت تُمثل قيام الحجة الظاهرة وإعلان الأمة عبر طليعتها في العراق عن رغبتها في التغيير والعودة إلى منبع العدالة العلوية. ومن هنا، يرى المرجع الأعلى أن التوجه نحو الفرات كان امتثالاً لأرقى مصاديق "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وإحياء قيم الإصلاح في أمة جده؛ إذ كان لا بد للإمام أن يتقدم مستنهضاً الهمم في المِصر العسكري الأقوى، واضعاً الضمير الإنساني أمام مسؤوليته الحرة.
فالشهادة الحسينية على أرض العراق، في قراءة المرجعية، لم تكن انكفاءً عن الحياة بل كانت إعادة بناء لوجدان الأمة، وصياغة لخط رفض أبدي يستمد منه المظلومون عبر العصور طاقة الثبات، ليتحول العراق من مجرد جغرافيا عسكرية إلى منطلق كوني لانتصار الدم الطاهر على السيف الباغي.
· سادسا: راي شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم
تتلاقى الرؤية التحليلية الحركية للشهيد السيد محمد باقر الحكيم مع هذه القراءة الجيوسياسية لتمنحها أبعاداً اجتماعية وسياسية بالغة العمق؛ فالشهيد الحكيم يرى أن ارتحال الإمام الحسين (ع) صوب جغرافيا الفرات لم يكن مجرد استجابة اضطرارية لضيق الخيارات، بل كان قراراً استراتيجياً لبناء جبهة المواجهة في الساحة الأكثر حيوية ونضجاً في الأمة. وفي تشريحه لخارطة الأقاليم، يرى أن العراق وتحديداً الكوفة لم يكن مجرد خزان عسكري للرجال والسلاح، بل كان الإقليم الوحيد الذي امتلك تجربة سياسية واعية شكلتها سنوات الحكم العلوي، حيث تحولت الكوفة في عهد أمير المؤمنين (ع) من مِصر عسكري مغلق إلى عاصمة للفكر والرفض السياسي والوعي بحق أهل البيت.
ويُشدد السيد الحكيم على أن رسائل أهل الكوفة والبيعات التي تدفقت على مكة لم تكن مجرد عواطف عابرة، بل كانت تعبيراً عن حراك جماهيري منظم وطليعة حركية واعية تطلب التغيير وتقويض الاستبداد، وهو ما خلق واجباً قيادياً ورسالياً على الإمام الحسين لاستثمار هذه الطاقة الثورية.
فبينما كانت الشام مرتهنة كلياً لآلة التدجين الأموية، والحجاز غارقاً في الانكفاء السياسي، كانت الكوفة تغلي بروح المقاومة. لذلك، فإن توجه السبط الشهيد إلى العراق كان زحفاً نحو المركز الحركي القادر على احتضان مشروع الدولة الإسلامية العادلة؛ وحتى حينما حالت الظروف العسكرية دون النصر المادي، فإن تلك الحركة "في رؤية الحكيم" نجحت في تحويل جغرافيا العراق إلى قاعدة أبدية للثورة، ومنطلق فكري رسخ أطروحة المعارضة الواعية ضد الطغيان عبر التاريخ، وجعل من دم الحسين وقوداً دائم التحريك للضمير الجماهيري المسلوب.
· ختاما
وإذ تلتقي رؤى هؤلاء الأعلام والقامات الفكرية في فضاء التحليل التاريخي والكلامي، يتجلى لنا أن بوصلة الامام الحسين (ع) لم تخطئ الميدان حين تيممت شطر الفرات، بل كانت تسير بهدي بصيرة ربانية وحنكة استراتيجية صاغت من أرض العراق مسرحاً أبدياً لصراع الحق ضد الباطل.
إن اختيار الكوفة دون سائر الحواضر لم يكن هرباً من حتف، ولا طلباً لعافية، بل كان زحفاً نحو المِصر الوحيد الذي امتلك شجاعة السؤال، ونضج التجربة العلوية، ورجال المواجهة الذين قامت بهم الحجة الشرعية والتاريخية على إمام زمانهم.
لقد انغلقت عواصم الإسلام آنذاك بين تدجين أموي أخرس ألسن الحق في الشام، وانكفاء روحي آثر الدعة في الحجاز، وعزلة جغرافية نأت باليمن ومصر عن مدار القرار؛ فكان العراق هو القدر الرسالي الحتمي، والجبهة المفترضة التي تملك من المقومات المادية والرمزية ما يزلزل عروش الطغيان. وهكذا، تحول ارتحال السبط الشهيد إلى الرافدين من مجرد حدث جيو-سياسي في كتاب التاريخ، إلى وثيقة وجودية كبرى أعادت بناء الضمير الإنساني؛ لتبقى أرض كربلاء منطلقاً كونياً متجدداً، يلقن الأجيال أن الدم إذا ما أريق في سبيل العقيدة والإصلاح، يغدو أقوى من غطرسة السيف وبهرج السلطان الزائف.













06/25/2026 - 10:42 AM





Comments