بيار مارون *
في منتصف حزيران 2026، صدر تصريحان إيرانيان كشفا بوضوح غير مسبوق طبيعة العلاقة بين طهران ولبنان وحزب الله. الأول لقائد «قوة القدس» في الحرس الثوري إسماعيل قاآني، والثاني لوزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء مع دبلوماسيين أجانب بثّ التلفزيون الإيراني وقائعه.
وخلال اللقاء، اعتبر عراقجي أن واشنطن وإسرائيل تمثلان أحد طرفي مذكرة التفاهم، فيما تمثل إيران وحزب الله الطرف الآخر.
لم يكن الكلام مفاجئاً في مضمونه، لكنه كان صادماً في صراحته. فقد قيلت المعادلة هذه المرة بوضوح نادر ومن دون مواربة: لبنان ليس طرفاً، والدولة اللبنانية غائبة تماماً، وإيران تتولى التفاوض عن حزب الله وفي شأن الجبهة اللبنانية التي يتحرك فيها.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتصرف فيها طهران كمرجعية فوق الدولة اللبنانية، لكنها من المرات النادرة التي تعلن فيها هذا الدور بهذه الصراحة، وتضع نفسها وحزب الله في موقع الطرف المفاوض في شأن يتصل بأرض لبنان وأمنه ومستقبله.
وهنا يبرز السؤال: هل ما تقوم به إيران انقلاب على سيادة الدولة اللبنانية، أم تكريس رسمي لتبعية قائمة؟
الواقع يجمع بين التوصيفين: انقلاب على وظائف الدولة السيادية، وتكريس رسمي لتبعية قائمة.
فالانقلاب هنا ليس استيلاءً عسكرياً مباشراً، بل مصادرة ممنهجة لوظائف الدولة السيادية الأساسية: قرار الحرب والسلم، والتمثيل الخارجي، والتفاوض على الأرض والأمن والمستقبل.
طهران لم تكتفِ بالتدخل، بل تصرفت وكأن لبنان ليس دولة سيادية أصلاً، وكأن القرار اللبناني جزء من مجال نفوذها السياسي والإقليمي.
وفي الوقت نفسه، كرّر قاآني خطاب الردع المعتاد، مؤكداً أن ما ظهر من قدرات «المقاومة» لا يمثل سوى جزء محدود من إمكاناتها. لكن الوقائع الميدانية في غزة ولبنان كشفت حدود هذه القوة، وأظهرت أن الخطاب الرادع لا يحمي المجتمعات من الدمار.
غير أن الأخطر كان ما أعلنه عراقجي حين ربط إنهاء الحرب في لبنان بإنهاء الحرب على إيران، وتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءاً من تفاهم أوسع مع واشنطن.
في هذه المقاربة الإيرانية، لبنان ليس دولة مستقلة تعالج أزمتها من خلال مؤسساتها، بل ورقة في ملف إيراني أوسع، وساحة يجري التفاوض عليها من طهران.
وحزب الله لم يدخل اليوم في الاستراتيجية الإيرانية؛ فهو جزء عضوي منها منذ عقود. الجديد هو الانتقال من لغة «التحالف» و«التنسيق» إلى تبعية سياسية معلنة، تتولى فيها إيران التفاوض في شأن لبنان، وتتعامل مع مصيره باعتباره جزءاً من ملفها الإقليمي.
هذا التصرف يشكل اعتداءً صريحاً على سيادة لبنان، ومصادرة لقراره الوطني المستقل. وهو يحوّل البلاد من دولة إلى جبهة متقدمة في المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأميركية، من دون أن يكون لها صوت أو قرار.
دستورياً، الأمر واضح.
فالمادة 52 من الدستور تجعل التفاوض في المعاهدات من صلاحية رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تُبرم المعاهدات إلا بموافقة مجلس الوزراء. كما تضع المادة 65 قرار الحرب والسلم ضمن صلاحيات المؤسسات الدستورية اللبنانية.
وأي تفاهم بين دول أخرى يتناول أرض لبنان وأمنه من دون مشاركته لا يُنشئ التزاماً دستورياً على الدولة اللبنانية، ولا يستطيع أن يحل محل قرار مؤسساتها الشرعية.
|
ما جرى عملياً يمكن اختصاره بمعادلة واحدة: حزب مسلح تولّى الميدان. ودولة أجنبية تولّت التفاوض. فيما بقيت الجمهورية اللبنانية تتحمل الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية. |
وقد أصاب الرئيس جوزيف عون حين أكد أن لبنان ليس ملكاً لإيران، وأن اللبنانيين لا يجوز أن يموتوا من أجل مصالح طهران.
ولا يغيّر اختلال موازين القوة من هذه الحقيقة؛ فعجز لبنان عن ردع إيران أو إسرائيل لا يمنح أياً منهما حق تجاوز دولته أو التحدث باسمها.
فضعف الدولة لا يلغي وجودها، والعجز عن منع انتهاك السيادة لا يحوّل الانتهاك إلى حق مكتسب. والخطر الأكبر ليس فقط في الحرب التي دخلت هدنة هشّة، بل في السلام الذي قد يكرّس هذه التبعية.
فإذا انتهت المواجهة على قاعدة أن طهران هي المرجعية السياسية لحزب الله، وأن الدولة اللبنانية ليست سوى متلقٍ للنتائج، نكون أمام هدنة تُكرّس وصاية إيرانية. لكن هذه هي الصيغة التي تحاول إيران فرضها أو الإيحاء بها، وليست حتى الآن الصيغة التي تعتمدها واشنطن.
فالولايات المتحدة ما زالت تؤدي دور الوسيط والمسهّل للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، انطلاقاً من أن الدولتين هما الطرفان المعنيان مباشرةً بقضايا الحرب والسلم والانسحاب والترتيبات الأمنية بينهما.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في أن واشنطن اعترفت فعلاً بوصاية طهران على لبنان، بل في محاولة إيران تحويل نفوذها على حزب الله إلى صفة تفاوضية تخوّلها التحدث في الشأن اللبناني.
لكن هذه المحاولة لا تعني أن الوصاية أصبحت أمراً واقعاً معترفاً به دولياً، ولا أن لبنان فقد صفته ودوره. فالدولة اللبنانية ما زالت الطرف الشرعي المعترف به، وهي التي تفاوض باسم لبنان في المسار الذي تسهّله واشنطن مع إسرائيل.
أما التسريبات المتضاربة والمبالغات التي ضخّتها طهران وردّدها جمهورها في لبنان، فلا تتحول إلى حقائق بمجرد تكرارها، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإحباط اللبنانيين وإقناعهم بأن بلدهم غائب أو أن مصيره حُسم في عواصم أخرى.
لبنان ضعيف اليوم، لكنه ليس ملغى.
وضعف الدولة ظرف سياسي يمكن تغييره، لا حكماً نهائياً على وجودها. فما زال للبنان مؤسسات دستورية، وجيش، وشرعية دولية، وانتشار واسع، وعلاقات تسمح له باستعادة موقعه متى امتلك القرار والإرادة الوطنية.
والمطلوب ليس الاستسلام أمام صورة القوة التي تحاول طهران تسويقها، بل التمسك بالدولة وحقها الحصري في التفاوض والقرار والحرب والسلم. فالمعركة على السيادة ليست خاسرة، ولا يبدأ الانتصار فيها بتضخيم قوة الوصاية، بل برفض الاعتراف بشرعيتها.
السلام والانسحاب الإسرائيلي ووقف الحرب مطالب مشروعة، لكن السيادة لا تُستعاد بصفقة يكون فيها لبنان أرضاً للتفاوض، لا طرفاً فيه.
ولا يمكن أيضاً رفض الوصاية الإيرانية مع القبول باستمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية. فسيادة لبنان واحدة لا تتجزأ: تُنتهك حين تتفاوض إيران في شأنه، كما تُنتهك حين تفرض إسرائيل وقائعها العسكرية فوق أرضه وأجوائه. لكن لا يحق لأي طرف أن يستخدم انتهاك الآخر ذريعة دائمة لمصادرة القرار اللبناني.
لبنان لم يكن في الغرفة حين صيغ التفاهم المتعلق بأرضه وأمنه ومستقبله. والتصريحات الإيرانية الأخيرة ليست مجرد كلام عابر، بل وثيقة سياسية خطيرة تكشف أن حزب الله يتحرك ضمن قرار إيراني، لا ضمن قرار لبناني مستقل.
والسؤال الحقيقي اليوم ليس متى يستعيد لبنان قراره السيادي فقط، بل كيف يمنع تحوّل الهدنة إلى وصاية دائمة، وكيف يستعيد مقعده في كل تفاوض يتعلق بأرضه وأمنه ومستقبله.
والطريق إلى ذلك يبدأ من استعادة الدولة قرارها، والتفاف اللبنانيين حول مؤسساتهم الشرعية وجيشهم، لا حول مرجعيات خارجية أو مشاريع موازية. كما يتطلب تحركاً لبنانياً واضحاً لطلب دعم المجتمع الدولي والدول العربية، ولا سيما دول الخليج، من أجل تقوية الدولة وتمكينها من بسط سلطتها، لا إدارة لبنان من خارجها.
فالدعم الخارجي يستطيع أن يحمي الفرصة ويساند الدولة، لكنه لا يصنع السيادة بدلاً من اللبنانيين.
السيادة لا تُمنح ولا تُستعار.
السيادة تُبنى في الداخل، ويُحشد لها الدعم في الخارج، وتُحمى بوحدة اللبنانيين حول دولتهم.
* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد—SOUL













06/17/2026 - 06:37 AM





Comments