تطويب البطريرك الياس الحويّك… عودة الأب المؤسّس في زمن الانهيار: رجاءٌ يتجدّد وذاكرةٌ تُنقذ وطناً يبحث عن قيامته

06/17/2026 - 10:51 AM

A

 

 

بيروت - بيروت تايمز - اعداد الاب البر حبيب عساف

في لحظة لبنانية مثقلة بالأزمات، يعود اسم البطريرك الياس بطرس الحويّك إلى الواجهة، لا كحدث كنسي فحسب، بل كعلامة رجاء في زمن يختنق فيه اللبنانيون تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إعلان تطويبه ليس مجرّد خطوة لاهوتية في مسار إعلان القديسين، بل حدث وطني وروحي وإنساني يتجاوز حدود الكنيسة ليطال وجدان شعب بأكمله، شعب يبحث عن معنى، عن سند، عن ذاكرة تُذكّره بأن هذا الوطن وُلد من رحم الألم، وأنه قادر على النهوض مهما اشتدّت العواصف.

يمثّل التطويب مرحلة متقدمة في المسار الكنسي، إذ يُسمح بعده بتكريم الطوباوي رسميًا في الكنيسة وفي مناطق محددة، فيما تتطلب مرحلة إعلان القداسة لاحقًا الاعتراف بمعجزة جديدة تحدث بعد التطويب. لكنّ أهمية هذا الحدث بالنسبة للبنان تتخطى البعد الطقسي، لتلامس جوهر الهوية الوطنية التي ساهم الحويّك في صياغتها، يوم وقف في وجه المجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى، وحمل همّ شعبه في أحلك الظروف، ودافع عن قيام لبنان الكبير ككيان حرّ مستقل.

اليوم، وبعد أكثر من تسعين عامًا على رحيله، يعود البطريرك الحويّك إلى المشهد اللبناني في زمن لا يقلّ قسوة عن زمنه. فلبنان يعيش واحدة من أسوأ أزماته منذ تأسيسه: انهيار اقتصادي غير مسبوق، فقر ينهش المجتمع، هجرة تتسع، مؤسسات تتداعى، وانقسام سياسي يهدد ما تبقى من الدولة. في هذا السياق، يبدو إعلان تطويبه وكأنه نافذة ضوء تُفتح في جدار العتمة، ورسالة تقول للبنانيين إن تاريخهم لم يكن يومًا سهلًا، وإن الأزمات ليست قدرًا نهائيًا، وإن الرجاء الذي حمله الحويّك في قلبه يمكن أن يتحوّل اليوم إلى قوة دفع جديدة.

25 تمّوز موعدًا للاحتفال بإعلان البطريرك الحويّك طوباويًّا

أعلنت الرئاسة العامة في جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات أنّ البابا لاوون الرابع عشر وافق رسميًا على تحديد يوم 25 تموز المقبل موعدًا للاحتفال بإعلان المكرّم البطريرك الياس الحويّك طوباويًا، في حدث كنسي بارز ينتظره اللبنانيون والكنيسة المارونية منذ سنوات.

وبحسب البيان، سيوفد الحبر الأعظم ممثلاً عنه رئيس دائرة دعاوى القديسين الكردينال مرشيلّو سيميرارو للمشاركة في الاحتفال الرسمي، تأكيدًا على أهمية المناسبة ومكانة البطريرك الحويّك في تاريخ الكنيسة ودورها الوطني.

ومن المقرر أن يترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي الذبيحة الإلهية في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان عند الخامسة من بعد الظهر، في قداس احتفالي يُتوقّع أن يشهد حضورًا واسعًا من الفاعليات الدينية والرسمية والشعبية، إضافة إلى مشاركة رهبانية وكنسية كبيرة.

لقد واجه البطريرك الحويّك المجاعة الكبرى التي أودت بحياة ثلث سكان جبل لبنان، ولم يكتفِ بالصلاة أو الوعظ، بل تحوّل إلى قائد إنساني، دبلوماسي، وطني، ومفاوض شرس في سبيل إنقاذ شعبه. سعى إلى تأمين القمح، فتح أبواب الأديرة، نظم حملات إغاثة، وواجه القوى الدولية التي كانت تتحكم بمصير اللبنانيين. كان يؤمن بأن الإنسان هو أساس الرسالة، وأن الكنيسة ليست جدرانًا بل قلبًا نابضًا في وسط شعب يتألم.

اليوم، يستعيد اللبنانيون هذه السيرة ليس من باب الحنين، بل من باب الحاجة. الحاجة إلى نموذج قيادي يضع الإنسان أولًا، إلى صوت يقول إن لبنان ليس مشروعًا ساقطًا، بل وطنًا صمد أمام المجاعة والحروب والاحتلالات، وقادر على الصمود مجددًا. الحاجة إلى شخصية تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تهدم، ترفع ولا تُسقط. الحاجة إلى من يذكّرهم بأن لبنان الكبير لم يولد صدفة، بل وُلد من إرادة ورؤية وإيمان.

إن رمزية التطويب تتجاوز الكنيسة لتلامس جوهر الهوية اللبنانية. فالحويّك لم يكن رجل دين فقط، بل كان رجل دولة، رجل رؤية، رجل مشروع. آمن بلبنان التعددي، لبنان الرسالة، لبنان الحرية والكرامة. وفي زمن تتعرض فيه هذه القيم للاهتزاز، يأتي إعلان طوباويته ليعيد تثبيت الأسس التي قام عليها الوطن. فلبنان الذي حلم به الحويّك لم يكن لبنان الطوائف المتناحرة، بل لبنان الإنسان، لبنان الكرامة، لبنان الذي يتسع للجميع.

وفي البعد الإيماني، يحمل التطويب رسالة عميقة: أن القداسة ليست بعيدة عن الألم، وأن الرجاء يولد من قلب المعاناة. فالحويّك لم يعش في زمن رخاء، بل في زمن جوع واحتلال وحصار. ومع ذلك، لم يفقد إيمانه، ولم يتخلّ عن شعبه، ولم يسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبه. هذه الرسالة اليوم هي ما يحتاجه اللبنانيون: أن الإيمان ليس هروبًا من الواقع، بل قوة لمواجهته؛ وأن القداسة ليست فوق البشر، بل في قلب التجربة الإنسانية.

أما في البعد الوطني، فإن إعلان تطويبه يأتي في لحظة يبحث فيها اللبنانيون عن رموز جامعة. فالمشهد السياسي الحالي يفتقر إلى القامات التي تستطيع أن تجمع حولها ثقة الناس. وفي ظل هذا الفراغ، يعود الحويّك ليذكّر بأن لبنان كان وسيبقى أكبر من أزماته، وأن القادة الحقيقيين هم الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويعملون بصمت وإيمان وثبات.

وبين مجاعة الأمس وأزمات اليوم، تتقاطع سيرة الحويّك مع واقع اللبنانيين. فكما واجه هو الجوع، يواجه اللبنانيون اليوم الفقر. وكما واجه الاحتلالات، يواجه اللبنانيون اليوم التدخلات. وكما دافع عن قيام لبنان الكبير، يدافع اللبنانيون اليوم عن بقاء لبنان أصلًا. وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن مع فارق واحد: أن اللبنانيين اليوم يملكون ذاكرة، يملكون مثالًا، يملكون طوباويًا جديدًا يقول لهم إن الطريق إلى القيامة يبدأ من الإيمان، من الصبر، من العمل، من التمسك بالوطن.

إن إعلان تطويب البطريرك الياس الحويّك ليس حدثًا عابرًا، بل محطة مفصلية في الوعي اللبناني. إنه دعوة إلى إعادة قراءة التاريخ، إلى إعادة اكتشاف معنى لبنان، إلى إعادة بناء الثقة بأن هذا الوطن قادر على النهوض مهما اشتدت العواصف. إنه تذكير بأن بعد الضيق فرجًا، وبعد الألم رجاء، وأن الأوطان التي تتمسك برسالتها قادرة على صناعة مستقبلها.

وبعد أكثر من تسعين عامًا على رحيله، لا يزال الحويّك حاضرًا، ليس فقط في الكتب والصور، بل في الوجدان. حاضرًا كأبٍ للبنان الكبير، كصوتٍ للرجاء، كعلامة قيامة. واليوم، مع إعلان طوباويته، يعود ليقول للبنانيين: لا تخافوا. فلبنان الذي وُلد من الألم، لن يموت في زمن الانهيار. لبنان الذي صمد أمام المجاعة، سيصمد أمام الفقر. لبنان الذي نهض من الرماد، سينهض من جديد.

إنه حدث كنسي… لكنه أيضًا حدث وطني، إنساني، روحي، ورسالة خلاص في زمن يحتاج فيه اللبنانيون إلى معجزة، أو إلى رجل آمن بأن المعجزة تبدأ من الإنسان نفسه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment