د. مهى محمد مراد
منذ سنوات، يعيش اللبنانيون تحت وطأة أزمات متلاحقة أثقلت كاهلهم وأرهقت حياتهم اليومية، فالمواطن الذي يبحث عن فرصة عمل، أو يسعى لتأمين تعليم أبنائه، أو يحاول الحفاظ على مشروعه الصغير، لم يعد يسأل فقط عن أسباب الأزمة، بل أصبح يسأل عن مستقبل وطنه كله.
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة نتيجة الانقسامات والصراعات والأزمات المتراكمة، وتراجعت الثقة بالدولة، وهاجر كثير من الشباب بحثًا عن فرص أفضل، بينما بقيت آمال الناس معلقة على قدرة لبنان على استعادة استقراره ومكانته الطبيعية بين الدول.
وفي خضم هذه التحديات يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن للبنان أن يحمي مصالحه ويستعيد ثقة العالم به ويؤمن مستقبلًا أفضل لأبنائه؟
الجواب لا يكمن في المزيد من التوترات أو الاصطفافات أو الصراعات، بل في بناء دولة قوية تعرف كيف تدير علاقاتها مع العالم بحكمة وثقة وتوازن… ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية باعتبارها إحدى أهم أدوات الدولة الحديثة.
فالدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو مشاركات في المؤتمرات الدولية، بل هي فن الدفاع عن مصالح الوطن، وحماية سيادته، وبناء جسور التعاون مع الآخرين، كما أنها الوسيلة التي تمكن الدول من حل الخلافات بالحوار بدل الصدام، ومن تحقيق مصالحها عبر التفاهم بدل المواجهة.
إنّ لبنان بحاجة إلى أفضل العلاقات مع العالم العربي، وإلى أفضل العلاقات مع المجتمع الدولي، وإلى الانفتاح على مختلف الدول الصديقة والشريكة على قاعدة الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية المشتركة، فالدولة القوية ليست الدولة التي تعادي الجميع، بل الدولة التي تعرف كيف تبني علاقات متوازنة مع الجميع وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها الوطني.
أما الاستقرار الذي ينشده اللبنانيون فلا يمكن أن يتحقق في ظل القلق الدائم والتوتر المستمر، فلا اقتصاد ينهض من دون استقرار، ولا استثمارات تأتي إلى بلد يعيش الأزمات المفتوحة، ولا مؤسسات قوية يمكن أن تُبنى في بيئة يغيب عنها التوافق الوطني.
كما أنّ الدبلوماسية تشكل ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد اللبناني، فكل علاقة ناجحة مع دولة أو مؤسسة دولية يمكن أن تفتح بابًا للاستثمار أو التجارة أو التعاون العلمي أو التنموي، وكل خطوة تعيد الثقة بلبنان تساعد في خلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز النمو الاقتصادي.
ولا تقتصر أهمية الدبلوماسية على الاقتصاد والسياسة فقط، بل تمتد إلى الثقافة والتعليم والبحث العلمي. فلبنان يمتلك طاقات بشرية متميزة وانتشارًا واسعًا لأبنائه في مختلف أنحاء العالم، وهذه القوة البشرية يمكن أن تتحول إلى عنصر دعم حقيقي للدولة عندما تُحسن إدارة علاقاتها وشراكاتها الدولية.
وفي المقابل، أثبتت التجارب أن أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للدول يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف مؤسساتها وتعقيد أزماتها. ولذلك فإن حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء دولة قوية ومؤسسات فاعلة وسياسة خارجية متوازنة قادرة على الدفاع عن المصالح اللبنانية بثقة واستقلالية.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الأعداء، ولا إلى المزيد من المحاور والصراعات، بل يحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تتحدث مع الجميع، وتعرف كيف تجعل المصلحة اللبنانية فوق كل اعتبار.
فالدبلوماسية ليست ترفًا سياسيًا، وليست مجرد نشاط بروتوكولي، بل هي خط الدفاع الأول عن الاستقرار والسيادة والتنمية، وكلما نجح لبنان في ترسيخ هذا النهج، ازدادت فرصه في استعادة ثقة مواطنيه وثقة العالم به.
إن طريق النهوض اللبناني لا يمر عبر التوترات والمواجهات، بل عبر دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة بقرارها، منفتحة على العالم، وواثقة بقدرتها على حماية مصالحها، وعندما يلتقي الاستقرار مع السيادة، وتلتقي الحكمة مع الإرادة الوطنية، يصبح مستقبل لبنان أكثر إشراقًا، ويصبح الأمل الذي ينتظره اللبنانيون أقرب إلى الواقع.
وفي النهاية، " لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الأعداء، ولا إلى المزيد من المحاور والصراعات، إنه يحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تتحدث مع الجميع، وتعرف كيف تجعل المصلحة اللبنانية فوق كلّ اعتبار",













06/17/2026 - 05:35 AM





Comments