شبل الزغبي
عندما عبر الإسكندر المقدوني نهر الغرانيكوس، لم يكن يحمل مشروع “اتفاق” مع دارا الثالث، ولم يطرح على طاولته مذكرة تفاهم توزّع المكاسب بين الطرفين. كان يحمل عقيدة واحدة: أن إمبراطورية بُنيت على الاستبداد وتصدير الحروب لا تُفاوَض، بل تُفكَّك من جذورها. لذلك سقطت برسيبوليس، وانهارت الإمبراطورية الأخمينية إلى الأبد، وولد شرقٌ جديد لم يعرف “المحور الفارسي” قرونًا طويلة.
اليوم، يقف الرئيس ترامب على نفس البوابة التاريخية، بعد حرب كشفت هشاشة النظام الإيراني العسكرية والأمنية والسياسية على نحو غير مسبوق، ليختار في اللحظة الحاسمة الطريق الأسهل: مذكرة تفاهم، ورفعًا تدريجيًا للعقوبات، ونقاشاتٍ حول التعويضات، وفتح مضيق هرمز مقابل وعودٍ لم يلتزم بها هذا النظام يومًا. وبدل أن يكون “إسكندر العصر” الذي يطوي صفحة إمبراطورية الملالي، اختار أن يكون وسيطًا يمنح نظامًا مُفلسًا ومكشوفًا فرصةً لإعادة ترميم نفسه.
والمفارقة أن أغلب المحللين أنفسهم يعترفون بهذا التقصير: فالمسافة بين “السقوط الكامل” و”التسوية المنقوصة” كانت أقل من خطوة، ومع ذلك اختير المسار الثاني. والسبب ليس غياب القوة، بل غياب القرار، وهو الفارق الجوهري بين قائدٍ يغيّر التاريخ وقائدٍ يديره.
النظام الإيراني، بطبيعته العقائدية، لا يفهم “السلام” كحالة نهائية، بل كهدنة تكتيكية يعيد فيها ترتيب أوراقه وتمويل أذرعه الميليشياوية، من حزب الله إلى الحوثيين إلى الفصائل العراقية. فكل دولارٍ يُرفع عنه الحصار، وكل بندٍ تفاوضي يُمنح له شرعية، هو وقودٌ جديد لتصدير النموذج الإيراني: دولة داخل دولة، وجيش موازٍ، وولاءٌ لولي الفقيه يسبق الولاء للوطن. هذا ليس سلامًا، بل استراحة محارب.
السلام الحقيقي والدائم في المنطقة لا يُبنى على بقاء نظامٍ يصدّر الفوضى، بل على رحيله. فتغيير النظام في طهران ليس “تدخلًا”، بل هو الشرط الأول لأي استقرارٍ إقليمي حقيقي، ولأي أملٍ للبنان والعراق واليمن في التحرر من الوصاية الإيرانية المسلحة.
والتاريخ، في النهاية، لا يرحم الفرص الضائعة. سيُسجَّل أن الإمبراطورية كانت على حافة الانهيار، وأن يدًا واحدة كانت كافية لإسقاطها، لكنها تراجعت عند آخر خطوة. الإسكندر أكمل المسير إلى برسيبوليس، أما ترامب فتوقف عند أسوارها، ومنح طهران فرصةً أخرى للبقاء. وهذا، بكل المعايير، حكمٌ تاريخي على فرصةٍ تاريخية أُهدرت.













06/17/2026 - 05:55 AM





Comments