لماذا لم يتلقَّ الرئيس عون اتصالاً من الرئيس الأمريكي بخصوص الاتفاق الإيراني الأمريكي؟

06/16/2026 - 07:42 AM

San diego

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

ان تخصصي المشهود له عالمياً في سُلم 'الهرم النقشي'، يرتكز على قدرتي التشريحية وفهمي العميق لفلسفة الرموز والطقوس والنظام العالمي، وضوابط البروتوكول الدولي المتبع؛ بدءاً من لغة المصافحة وخفايا الهمس، وصولاً إلى أصول قواعد المسير واداب الجلوس الرفيعة."

إن المتتبع لسياق النقاشات الراهنة في بعض الأوساط السياسية والثقافية، وما يتردد على ألسنة بعض رجال الدين وتحديداً ضمن البيئة الشيعية، يلحظ حالة من الصخب والجدل غير المبرر حول مسألة "عدم تلقي فخامة رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، اتصالاً مباشراً من الرئيس الأمريكي" بخصوص الاتفاق او "مذكرة التفاهم" الأمريكية الإيرانية الأخيرة. وهنا لا بد من وقفة عقلانية تضع الأمور في نصابها الصحيح، بعيداً عن المزايدات التي قد تعكس صورة مغلوطة عن مدى إدراكنا لآليات السياسة الدولية وضوابط البروتوكول العالمي؛ فالانسياق وراء هذه الطروحات ينم عن قصور في فهم كواليس الدبلوماسية الرفيعة وإدارة الملفات الكبرى.

أولاً، وبمنطق الدولة والسيادة، فإن عدم إجراء الرئيس الأمريكي اتصالاً بفخامة الرئيس في هذا التوقيت هو أمر طبيعي ومنطقي للغاية من الناحية البروتوكولية. فلو بادر البيت الأبيض بهذا الاتصال لإطلاع بعبدا على تفاصيل الاتفاق مع طهران، لكان ذلك بمثابة اعتراف رسمي وضمني بأن الملفين اللبناني والإيراني هما ملف واحد ومسار مشترك، وهذا تحديداً ما دأبت الدولة اللبنانية، بالتوافق مع الإدارة الأمريكية، على تجنبه عبر التأكيد المستمر على مبدأ "فصل المسارات".

إن تغييب الاتصال المباشر في هذا السياق لا يعد تهميشاً، بل هو إجراء يعزز رسمياً وسياسياً طلب الدولة اللبنانية بفصل ملفها عن التجاذبات الإقليمية وتفرعات الاتفاق النووي.

ثانياً، بالنظر إلى الخارطة الدبلوماسية للاتصالات التي أجراها الرئيس الأمريكي مؤخراً، نجد أنها حُصرت حصراً بقادة الدول التي تضم قواعد عسكرية أمريكية تعرضت لاستهداف مباشر خلال فترة النزاع؛ حيث وجدت الإدارة الأمريكية نفسها ملزمة بروتوكولياً وسياسياً بإبلاغ تلك الدول بما تم التوصل إليه بشأن أمن تلك القواعد ودورها المستقبلي وتثبيت وقف إطلاق النار الميداني فيها.

وبما أن لبنان يمثل دولة ذات سيادة، وهو يتجنب ان يكون شريكا لايران او امريكا في هذه الحرب، وحماية للمكون الشيعي من الغضب العربي الذي قصفت فيه القواعد الامريكية، خاصة ان لبنان لم يكن بحرب مباشرة مع اسرائيل، حاله حال الدول العربية التي تعرضت للقصف ومع ذلك لم تتخذ القرار بالانخراط في الحرب ضد ايران (اي ان الحكومة لم تتخذ قرارا بالاشتراك في الحرب او التحالفات او حتى اعلان الحرب على اسرائيل)، فإن مقتضيات البروتوكول لا تستدعي إدراج رئاسته ضمن جولة الاتصالات "التقنية-العسكرية" والتفاصيل النقاشية.

علماً بأن الدولة اللبنانية ليست بعيدة عن الأجواء، بل هي مطلعّة بعمق على مجريات الأمور عبر قنوات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي تجري برعاية أمريكية مكثفة.

ثالثاً، إن مراجعة المشهد الدولي تؤكد أن هذا النهج الأمريكي لم يستثنِ أحداً من القوى الكبرى؛ فالرئيس الروسي لم يتلقَّ اتصالاً بهذا الخصوص، بل بادر هو لاقتناص فرصة "دبلوماسية" عبر تهنئة الرئيس ترامب بعيد ميلاده الثمانين لفتح قنوات الاستفسار والدعم. وكذلك الحال مع الرئيس الفرنسي الذي لم يطّلع على الحيثيات إلا عبر لقاء ثنائي على هامش قمة مجموعة السبع (G7) المنعقدة في "إيفيان". وعليه، فإن الحالة اللبنانية تقع في صلب السياق الطبيعي للتعامل الدولي، وليست استثناءً يتطلب القلق.

وفي سياق متصل، فإن اتصال وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" ببعبدا لم يكن مجرد اتصال "لتطييب الخواطر" كما يروج البعض في قراءات سطحية تسيء لإيران وللبنان على حد سواء. فالمسألة أعمق من ذلك؛ فكما تحدث ترامب مع حلفائه الذين يستضيفون قواعده، كان من الطبيعي والضروري أن تتواصل طهران مع حليفها الأساسي في المنطقة، وبما أن هذا الحليف (حزب الله) هو جزء عضوي من النسيج اللبناني، فإن التواصل مع رئيس الجمهورية اللبنانية يمثل قمة العمل الدبلوماسي المؤسساتي. ولو لم تقم إيران بهذه الخطوة، لعدّت في الأعراف الدولية "دولة فاشلة" سياسياً ودبلوماسياً في إدارة تحالفاتها.

ختاماً، لا بد من الإدراك أن الدول العظمى لا تبني مواقفها بناءً على انفعالات لحظية، بل عبر تقارير استخباراتية ومراكز أبحاث ترصد أدق المتغيرات. ومن المؤسف أن تنجرف أوساط واسعة خلف تحليلات تفتقر للعمق، وتشبه في ضحالتها "أحاديث العجائز" التي لا تمت للواقع بصلة. إننا اليوم أمام استحقاق وطني وتاريخي يتطلب منا الهدوء والتروي للمضي في مسار بناء المستقبل وتحصين المكاسب الوطنية، بعيداً عن الانفعالات التي لا تخدم إلا من يريد إظهار طائفة بعينها كقوة خارجة عن سياق العقل السياسي المنضبط. إن المسؤولية الوطنية تحتم علينا الرقي في الخطاب، والابتعاد عن هذا الضجيج الذي لا طائل منه، رحمةً بلبنان وبمستقبلنا جميعاً.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment