بقلم: د. محمد نصار
يشهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاستراتيجية مع تزايد الحديث عن تفاهمات أو اتفاقات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تفاهمات قد تعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية بعد سنوات طويلة من التوتر والصراع والعقوبات والاشتباكات غير المباشرة.
وتبقى التساؤلات المطروحة بقوة: ماذا بعد أي اتفاق إيراني – أمريكي؟ وهل يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رؤيته على إسرائيل وإجبارها على الالتزام بمخرجات الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بالملف اللبناني؟
الاتفاق ليس نهاية الصراع
رغم أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران قد يؤدي إلى خفض مستوى التوتر العسكري في المنطقة، إلا أنه لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع بين الطرفين أو بين حلفائهما الإقليميين. فالخلافات المتعلقة بالنفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وشبكات التحالفات العسكرية ما زالت قائمة.
ومن المتوقع أن يسعى الطرفان إلى إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، بما يحقق مصالحهما الاستراتيجية ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة لا يرغب فيها أي منهما في المرحلة الحالية.
إسرائيل بين القبول والرفض
تعد إسرائيل الطرف الأكثر حساسية تجاه أي تقارب أمريكي – إيراني، إذ ترى أن منح إيران أي مساحة اقتصادية أو سياسية قد يؤدي إلى تعزيز قدراتها الإقليمية.
وقد أظهرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحفظات كبيرة تجاه الاتفاقات النووية السابقة، معتبرة أنها لا تعالج بصورة كاملة المخاوف الأمنية الإسرائيلية. لذلك فإن أي اتفاق جديد قد يواجه اعتراضات إسرائيلية قوية، سواء على المستوى السياسي أو الأمني.
هل يستطيع ترامب فرض الاتفاق على إسرائيل؟
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تُعد من أقوى التحالفات الدولية، لكنها ليست علاقة تبعية مطلقة. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، إلا أن إسرائيل تمتلك بدورها نفوذاً مؤثراً داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
وإذا عاد ترامب إلى تبني مسار تفاوضي يهدف إلى تحقيق استقرار إقليمي واسع، فقد يتمكن من ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية للالتزام ببعض التفاهمات، لكن من الصعب الحديث عن "إخضاع كامل" لإسرائيل، خاصة في القضايا التي تعتبرها مرتبطة بأمنها القومي المباشر.
الملف اللبناني وتعقيداته
أما فيما يتعلق بلبنان، فإن مسألة انسحاب إسرائيل أو إعادة تموضعها لا ترتبط فقط بالقرار الأمريكي، بل تخضع لحسابات أمنية وعسكرية وسياسية معقدة تشمل الحدود الجنوبية، ودور حزب الله وتوازن القوى في المنطقة.
وأي اتفاق أمريكي – إيراني قد يساهم في تهدئة الساحة اللبنانية وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة، لكنه لن يؤدي تلقائياً إلى انسحاب إسرائيلي كامل ما لم تتوافر ضمانات أمنية تقبل بها جميع الأطراف المعنية.
الرابحون والخاسرون
في حال نجاح أي اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، قد تستفيد اقتصادات المنطقة من تراجع التوترات وتحسن حركة التجارة والاستثمار، كما قد تحصل إيران على متنفس اقتصادي أكبر.
في المقابل، قد تشعر بعض القوى الإقليمية بالقلق من تنامي النفوذ الإيراني أو من إعادة توزيع موازين القوة في الشرق الأوسط، وهو ما قد يدفعها إلى البحث عن تحالفات وسياسات جديدة لحماية مصالحها.
مستقبل المنطقة
يبقى مستقبل الشرق الأوسط مرهوناً بمدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تحويل الاتفاقات السياسية إلى استقرار فعلي على الأرض. فالاتفاقات قد توقف الحروب أو تخففها، لكنها لا تعالج وحدها جذور الأزمات الممتدة منذ عقود.
ومن ثم، فإن نجاح أي اتفاق إيراني – أمريكي لن يقاس فقط بما يُوقع على الورق، بل بقدرته على تحقيق توازن مستدام يحد من الصراعات، ويحفظ مصالح الأطراف المختلفة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تكون التفاهمات القادمة بداية لشرق أوسط أكثر هدوءاً، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى؟












06/16/2026 - 01:58 AM





Comments