معتز فخرالدين *
لم تكن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران محطة تفاوضية معزولة، بل تعبيرًا عن مسار طويل من صراع ممتد لم يُحسم في أي لحظة، بل أُعيد إنتاجه باستمرار عبر أدوات متغيرة من الاحتواء والضغط والتصعيد والتفاهم الجزئي. فجوهر العلاقة لم يكن يومًا نوويًا صرفًا، بل صراعًا على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى من يمتلك القدرة على منع تشكّل هيمنة مستقرة لأي قوة إقليمية صاعدة.
والأرجح أن ما جرى لا يرقى إلى اتفاق نهائي ملزم، بقدر ما يمثل مذكرة تفاهم سياسية–أمنية تؤسس لإطار عام من المبادئ المشتركة، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا وحساسية. وهذا يعني أن الطرفين اختارا مرة جديدة ضبط التناقضات بدل حسمها.
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، انتقلت العلاقة إلى قطيعة استراتيجية أعادت تعريف موقع إيران من حليف رئيسي للولايات المتحدة إلى خصم بنيوي يسعى لتوسيع نفوذه خارج حدود الدولة الوطنية التقليدية. شكّلت أزمة السفارة الأميركية وسقوط نظام الشاه لحظة تأسيس لصراع طويل تجاوز الإدارات الأميركية، وتبدلت خلاله الأدوات دون أن يتغير جوهر المواجهة.
في الثمانينيات، جرى احتواء الصراع داخل الحرب العراقية–الإيرانية بما يمنع انتصارًا إيرانيًا حاسمًا. وفي التسعينيات، جاءت سياسة الاحتواء المزدوج لضبط العراق وإيران معًا ومنع أي تفوق إقليمي منفرد. ومع غزو العراق عام 2003، اختل ميزان الردع الإقليمي جذريًا، إذ أدى إسقاط بغداد إلى فتح المجال أمام تمدد النفوذ الإيراني بدل احتوائه.
في عهد جورج بوش الابن، عادت إيران إلى خطاب “محور الشر”، لكن المفارقة أن الحرب في العراق ساهمت عمليًا في توسيع هامش الحركة الإيرانية بدل تضييقه. ومع إدارة باراك أوباما، انتقلت واشنطن إلى منطق إدارة الأزمة، فجاء الاتفاق النووي عام 2015 كآلية لتجميد أخطر مسارات التصعيد النووي، دون معالجة البنية الإقليمية للصراع أو ملف الصواريخ أو النفوذ الإقليمي.
لاحقًا، أعاد دونالد ترامب صياغة المقاربة عبر الانسحاب من الاتفاق واعتماد سياسة “الضغط الأقصى”، التي لم تقتصر على الملف النووي، بل استهدفت السلوك الإقليمي الإيراني عبر العقوبات والعزل الاقتصادي ومحاولة فرض إعادة تعريف شاملة لقواعد الاشتباك.
لكن المشهد لم يكن ثنائيًا. فقد لعبت إسرائيل دورًا محوريًا في دفع الصراع نحو مسار أكثر صدامية، معتبرة أن أي تسوية نووية لا تقيد النفوذ الإقليمي الإيراني تبقى تهديدًا مباشرًا لتفوقها الاستراتيجي. ومع إدارة ترامب، وجدت تل أبيب تقاطعًا مع سياسة الضغط الأقصى، ودفعت نحو توسيعها ميدانيًا عبر ضربات جوية وعمليات اغتيال لعلماء نوويين واستهداف منشآت حيوية، إضافة إلى هجمات سيبرانية وضرب شبكات النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق واليمن.
كانت الرؤية الإسرائيلية تقوم على هدف واضح: إعادة تشكيل شرق أوسط يُحاصر فيه النفوذ الإيراني أو يُستأصل تدريجيًا. لكن هذا المسار اصطدم بحدود القوة، إذ لم تؤدِّ الضربات المتكررة إلى شل القدرة الإيرانية، بل دفعتها إلى تطوير نمط ردع متعدد المستويات يجمع بين الرد المباشر وغير المباشر عبر الحلفاء والساحات الإقليمية.
والمفارقة أن إسرائيل، رغم كونها الطرف الأكثر حساسية تجاه أي تفاهم مع إيران، لا تبدو جزءًا مباشرًا من هندسة التفاهمات الجديدة، ما يفتح احتمال تحولها إلى عامل تعطيل إذا رأت أن الترتيبات المطروحة لا تعالج التهديد من منظورها الأمني.
نتيجة ذلك، لم ينتج الضغط العسكري والاقتصادي حسمًا، بل أسّس لحالة ردع متبادل معقدة، أصبحت فيها المنطقة شبكة من الساحات المترابطة، حيث يمكن لأي مواجهة محلية أن تتحول سريعًا إلى امتداد إقليمي واسع.
في خلفية هذا التوازن، يبرز عامل حاسم غالبًا ما يُهمل في التحليل: مضيق هرمز. فإيران، عبر سيطرتها على الضفة الشمالية للمضيق، تمتلك قدرة غير متماثلة على تهديد أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم. وأي تعطيل جزئي لحركة الملاحة، حتى دون مواجهة مباشرة، كفيل بإحداث صدمة في أسواق النفط العالمية ورفع الكلفة الاقتصادية لأي مواجهة عسكرية.
هذه القدرة لا تقوم على التفوق العسكري التقليدي، بل على الجغرافيا وأدوات الحرب غير المتكافئة: الألغام البحرية، الزوارق السريعة، والصواريخ المضادة للسفن. ولذلك يشكل هرمز عنصر ردع فعلي يحد من خيارات التصعيد الشامل لدى الولايات المتحدة، ويجعل كلفة الحرب المفتوحة غير محسوبة النتائج.
ورغم الفجوة الكبيرة في القوة العسكرية بين واشنطن وطهران، فإن طبيعة الصراع لم تعد تسمح بترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة. فالمعادلة باتت محكومة بقدرة كل طرف على إدارة الكلفة لا على تحقيق الحسم، في بيئة إقليمية شديدة التشابك.
كما أن السلوك الأميركي الحالي لا يمكن فهمه بمعزل عن التحول في سلم الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، حيث بات احتواء صعود الصين وإدارة التحدي الروسي يحتلان موقعًا متقدمًا، ما يجعل الانخراط في حرب مفتوحة مع إيران خيارًا عالي الكلفة ومنخفض الجدوى.
في هذا السياق، يظهر التناقض في المقاربة الأميركية، خصوصًا خلال عهد ترامب، الذي انتقد أوباما لفصل النووي عن الإقليمي، ثم وجد نفسه أمام مسار ينتهي عمليًا إلى النتيجة ذاتها: تفاهمات جزئية تُدار تحت ضغط مرتفع دون معالجة بنية الصراع.
ما يتشكل اليوم يبدو أقرب إلى تسوية ضمنية تُدار عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة، هدفها منع الانفجار لا إنتاج سلام دائم. فهي تؤجل المواجهة الكبرى لكنها لا تعالج أسبابها البنيوية، وتُبقي الصراع قائمًا تحت سقف الردع المتبادل.
الخطر لا يكمن فقط في فشل هذا المسار، بل أيضًا في نجاحه الجزئي. فإذا انتهت التفاهمات إلى تخفيف العقوبات وتجميد بعض الملفات مقابل قيود نووية محدودة وتأجيل الملفات الإقليمية، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج الأزمة ضمن شروط مختلفة، تمنح إيران هامشًا أوسع لإعادة التموضع دون إنهاء جوهر الصراع.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تتجه واشنطن نحو تفكيك بنية الصراع، أم نحو إدارة نتائجه فقط عبر تفاهمات مرحلية قابلة للتبدل؟
في النهاية، لا يمكن فصل كل ذلك عن العامل الجغرافي الحاسم: مضيق هرمز. فبينما راهنت واشنطن على العقوبات والضغط الاقتصادي، راهنت إيران على الجغرافيا والقدرة على تعطيل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. وهذا التوازن غير المتماثل هو ما يمنع الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، ويُبقي قواعد الاشتباك في حالة إعادة تعريف مستمرة، حيث لا يوجد انتصار نهائي، بل إعادة توزيع دائمة لموازين القوة.
* كاتب وباحث سياسي لبناني












06/16/2026 - 01:37 AM





Comments