كارين القسيس
في لحظات التحولات الكبرى، لا تكمن أهمية ما يُعلن في العلن بقدر ما تكمن في ما يُخفى بين سطور التفاهمات. فمنذ عقود، شكّلت العلاقة بين واشنطن وطهران إحدى أكثر بؤر التوتر تأثيرًا في معادلات الشرق الأوسط، حيثُ تداخل الصراع على النفوذ مع الحسابات النووية والأمنيّة والاستراتيجيّة. واليوم، وبينما يسارع البعض إلى تصوير التفاهم الجاري بين الطرفين على أنه بداية مرحلة جديدة، تبدو الوقائع أكثر تعقيدًا من الرواية المتداولة، إذ إنّ المؤشرات التي حصلت عليها "كافيين دوت برس" من مصادر أميركيّة توحي بأنّ ما يجري ليس سوى إعادة تنظيم صراع موقت، في انتظار اختبار موازين القوى والوقائع في الميدان. ومن هنا، فإنّ قراءة هذا التفاهم تبدأ من طبيعة الملفات التي بقيت معلّقة، ومن الأسئلة الكبرى التي لا تزال بلا إجابات حاسمة.
وبحسب المصادر الأميركيّة فإنّ ما يجري تقديمه اليوم بوصفه "إنجازًا ديبلوماسيًا" لا يتعدى في جوهره كونه هدنة اضطرارية فرضتها اعتبارات الضرورة على طرفين أنهكتهما كلفة المواجهة، لا تسوية حقيقية تعالج أسباب الصراع البنيوية.
وكشفت أنّ واشنطن تسعى إلى تهدئة بؤر التوتر وخفض المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة العالمية، فيما تحتاج طهران إلى متنفس اقتصادي وسياسي يحدّ من الضغوط المتفاقمة داخلها، مشددةً على أنّ الملفات التي فجّرت الأزمة فقد جرى تأجيلها عمدًا تحت عنوان إدارة المرحلة لا معالجتها.
من المنظور الأميركي، تبدو المكاسب المباشرة واضحة. فاستعادة انسيابية الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة وازنة من تجارة النفط العالمية، تعني استقرارًا أكبر للأسواق وتخفيفًا للضغوط الاقتصادية عن الحلفاء الغربيين، كذلك تمنح الإدارة الأميركية فرصة لتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تتحول إلى مستنقع جديد في منطقة اعتادت استنزاف القوى الكبرى.
في المقابل، تفيد المصادر بأنّ طهران قدمت تعهدات مرتبطة ببرنامجها النووي، تشمل وقف بعض الأنشطة الحساسة والتعاون في ملف مخزون اليورانيوم عالي التخصيب خلال المرحلة الانتقاليّة، محذرةً من أنّ قيمة هذه التعهدات ستبقى رهنًا بالتنفيذ الفعلي لا بالنصوص الموقّعة، خصوصًا في ظل سجلّ طويل من الخلافات حول تفسير الالتزامات وآليات تطبيقها.
أمّا اقتصاديًا، فالصورة أبعد ما تكون عن الرواية المتفائلة التي يجري تسويقها. فواشنطن بحسب المصادر الأميركيّة لا تمنح طهران تفويضًا مفتوحًا ولا تتحدث عن رفع شامل للعقوبات أو تدفق فوري للأموال، إنّما عن تخفيف محدود ومشروط وقابل للتراجع في أي لحظة إذا رأت الإدارة الأميركية أن الجانب الإيراني لا يلتزم بما تعهد به.
وفي ما يتصل بالملف اللبناني، أكّدت المصادر الأميركيّة نفسها أنّ التفاهم الجاري بين واشنطن وطهران لا يتضمن أي بند يتعلق بإبقاء سلاح "حزب الله"، ولا يمنحه أي غطاء سياسي أو تفاوضي، خلافاً لما يحاول البعض الإيحاء به. فبحسب هذه المصادر، لا يزال هذا الملف مدرجًا ضمن سلّم أولويات الأمن القومي الأميركي، ليس فقط من زاوية أمن إسرائيل، إنّما أيضًا من زاوية ما تعتبره واشنطن تحديًا مباشراً لمصالحها الاستراتيجية ونفوذها في شرق المتوسط.
ولفتت المصادر إلى أن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى حصريّة السلاح بيد الدولة اللبنانية باعتبارها شعارًا سياسيًا أو هدفًا نظريًا مؤجلًا، إنّما استحقاقًا تنفيذيًا يفترض أن تبدأ الدولة اللبنانية بالتعامل معه ضمن جدول زمنيّ واضح ومحدد. فالادارة الأميركيّة، وفق هذه المصادر، لم تعد معنيّة بسماع المزيد من الوعود والبيانات، إنّما تنتظر إجراءات ملموسة ونتائج قابلة للقياس.
وشدّدت على أنّ الاستحقاق المرتقب في الثاني والعشرين من حزيران يجب أن يشهد حضور لبنان وهو يحمل رؤية متكاملة وخطة تنفيذية واضحة لمعالجة ملف السلاح خارج سلطة الدولة، لا مجرد عناوين فضفاضة أو التزامات مفتوحة على التأجيل. فبحسب هذا المنطق، انتهى زمن شراء الوقت، وسقطت ذرائع المناورات السياسية التي استنزفت السنوات الماضية من دون أي نتائج فعلية.
وحذّرت المصادر الأميركيّة من أنّ استمرار حالة المراوحة سيؤدي عمليًا إلى ترسيخ النفوذ الإيراني داخل لبنان في صورة أعمق، بالتوازي مع تراجع قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها. وترى هذه أنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق المؤسسات الدستورية اللبنانية والرئيس جوزف عون، الذي يُنتظر منه الانتقال من مرحلة المواقف المعلنة إلى مرحلة القرارات التنفيذية والخطوات العملية.
وبلغة أكثر صراحة، تقول هذه المصادر إنّ المجتمع الدولي لا يقيس سوى النتائج، ولا يحاسب على الخطابات بل على الأفعال. ولذلك لم يعد السؤال المطروح في واشنطن: ماذا يقول المسؤولون اللبنانيون؟ إنّما ماذا أنجزوا فعليًا؟ لأنّ الفارق بين الدولة القادرة والدولة العاجزة يُقاس بحجم التصريحات ولا ببلاغة البيانات، وبقدرتها على فرض قراراتها وتنفيذ التزاماتها وترجمة سيادتها إلى وقائع ملموسة على أرض الواقع.












06/16/2026 - 01:25 AM





Comments