اتفاق ترامب وإيران: هرمز ولبنان في النص... والنووي والباليستي والأذرع خارجه

06/16/2026 - 01:50 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

إيلي إ. حرب

 على الرغم من إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى مذكرة تفاهم بينهما وإعلان موعد توقيعها في جنيف يوم الجمعة في 19 حزيران الحالي، تتزايد الأسئلة حول مضمون الاتفاق الحقيقي وطبيعته، وحدود التنازلات التي قدّمها الطرفان. فالمعلومات المتوفرة عن التفاهم تشير إلى وقف للتصعيد على مختلف الجبهات ومن ضمنها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، إلا أن الأسس التي قامت بسببها الحرب، إن لناحية البرنامج النووي الإيراني والصواريخ البالستية وأذرع طهران، لا تبدو واردة في ما تسرب من الاتفاق، ناهيك عن التفاصيل الجوهرية لما تتضمنه المذكرة.

مذكرة التفاهم: تناقضات وغموض

أ - تكمن العقدة الأساسية في تفسير عبارة "فتح المضيق". الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن "فتح حرّ لمضيق هرمز من دون رسوم" وعن فك فوري للحصار البحري، وتعمل إدارته على إنهاء قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط سياسية أو عسكرية.

أما إيران فتتعامل مع الموضوع من زاوية مختلفة تماماً. فوزير خارجيتها عباس عراقجي كان قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن طهران تؤيد "العبور المفتوح" لكنها لا تتخلى بالضرورة عن حقها في فرض رسوم أو تنظيم حركة المرور البحرية. كما أن الخطاب الإيراني الرسمي يشدد دائما على أن مضيق هرمز جزء من منظومة الردع وأداة استراتيجية تستخدمها طهران في مواجهة الضغوط الغربية.

من هنا تبرز الفجوة بين الموقفين. فإذا كانت واشنطن تعتبر أن الاتفاق يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة، فإن طهران تسعى على ما يبدو إلى تثبيت واقع جديد يمنحها دوراً دائماً في إدارة المضيق والتحكم بجزء من قواعد الملاحة فيه. وهذا يعني عملياً أن إيران قد تكون حققت أحد أهم أهدافها الاستراتيجية حتى لو لم تحصل على اعتراف رسمي بذلك.

ب - عقدة اخرى برزت وتطورت في الساعات الأخيرة وهي عقدة لبنان، إذ سبق الإعلان عن الاتفاق غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفت مسؤول الاتصالات في حزب الله. العملية جاءت بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة أطلقها الحزب نحو شمال إسرائيل، وتبع الغارة تهديد إيراني بالرد، ما أدى إلى تسريع الاتصالات الدبلوماسية في المنطقة للوصول إلى صيغة تفاهم بين واشنطن وطهران. وتحدثت تقارير أميركية  عن تحضير إيران لتنفيذ ضربة مباشرة ضد إسرائيل قبل أن تتراجع بعد اتصالات وضغوط أميركية.

لكن المفارقة أن لبنان، رغم حضوره كبند في الاتفاق، لا يظهر في أي من التسريبات المتعلقة بمضمون هذا البند. فلا وجود لأي إشارة إلى مستقبل حزب الله، أو إلى انتشار قواته جنوب الليطاني، أو إلى تطبيق القرار 1701، أو حتى إلى الترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. ما يترك انطباعا بأن واشنطن وطهران فضّلتا تأجيل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مراحل لاحقة والتركيز على وقف التصعيد ومنع اندلاع حرب إقليمية واسعة.

ج - بند آخر غامض في الاتفاق المرتقب. الإفراج عن جزء من الأصول المالية الإيرانية. فالأرقام تتحدث عن 12 مليار دولار سيتم الإفراج عنها فور توقيع الاتفاق وعن 12 مليار أخرى كتعويض عن تنازلات قدمتها في ورقة التفاهم. التصريحات الإيرانية تشير إلى أن مرحلة ما بعد التوقيع ستتضمن مباحثات حول رفع العقوبات الأميركية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وهي تتحدث عن تعويضات نتيجة الحرب وعن تسهيلات مالية في مواجهة الضغوط المعيشية والاقتصادية المتفاقمة التي تواجهها الحكومة في الداخل.

ماذا عن مسببات الحرب؟

أ - على الرغم أن البرنامج النووي الإيراني كان السبب الأساسي للتصعيد الذي سبق الحرب والمفاوضات، فإن التسريبات المتاحة لا تشير إلى اتفاق نهائي حوله، بل إلى تأجيل حسمه إلى مرحلة لاحقة. ووفق ما أعلنه نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، فإن الملف النووي سيكون أحد المحاور الرئيسية للمفاوضات التي ستلي توقيع مذكرة التفاهم خلال فترة تمتد ستين يوماً إلى جانب رفع العقوبات وإعادة دمج إيران اقتصادياً في الأسواق الدولية. ويعكس ذلك وجود تباين واضح بين المقاربة الأميركية والإيرانية. فواشنطن تسعى إلى فرض قيود طويلة الأمد على مستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية وضمان عدم اقتراب إيران من العتبة النووية العسكرية، بينما تصر طهران على حقها في الاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي متقدم ورفع جميع العقوبات المرتبطة به. ما يعني أن أخطر الملفات بين الطرفين لا يزال مفتوحاً وقابلاً للتجاذب وربما للتصعيد مجدداً إذا فشلت المفاوضات اللاحقة في التوصل إلى صيغة مرضية للطرفين.

ب - على مدى سنوات اعتبرت الولايات المتحدة وإسرائيل أن برنامج الصواريخ الباليستية يشكل أحد أخطر عناصر القوة الإيرانية. كما أن إسرائيل طالبت مراراً بأن يكون أي اتفاق مع طهران شاملاً للبرنامج النووي والصاروخي معاً. إلا أن المعلومات المتوافرة حتى الآن لا تتضمن أي بند يتعلق بالصواريخ الباليستية أو أي حديث عن تنازلات عسكرية.

ج - الأمر نفسه ينطبق على شبكة الأذرع التي تعرف بمحور المقاومة. فلا توجد مؤشرات على أن الاتفاق يتضمن التزامات إيرانية بوقف دعم حزب الله أو الفصائل العراقية أو الحوثيين أو الفصائل الفلسطينية المسلحة. بل إن بعض التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث أميركية تشير إلى أن شخصيات نافذة داخل الحرس الثوري الإيراني سعت إلى ضمان عدم استهداف الحلفاء الإقليميين لطهران مستقبلاً. وبالتالي فإن الاتفاق، إذا تم توقيعه بصيغته الحالية، قد يجمّد المواجهة مؤقتاً من دون أن يعالج أحد أبرز أسبابها، أي النفوذ الإقليمي الإيراني وشبكة القوى المسلحة المرتبطة به.

إسرائيل: تشكيك ورفض

في المقابل، تعارض إسرائيل الاتفاق وترى أن أي تفاهم لا يتناول صراحة تفكيك النووي والصواريخ الباليستية ومحور المقاومة سيبقى ناقصاً وغير قادر على معالجة التهديدات الأساسية، وأن حرية العمل العسكري ستبقى قائمة في لبنان حتى بعد أي اتفاق أميركي – إيراني. ويشدد المسؤولون إسرائيليون على أن العمليات ضد حزب الله لا ترتبط مباشرة بمسار التفاوض بين واشنطن وطهران، وأن إسرائيل ستواصل استهداف أي تهديد تعتبره مباشراً لأمنها القومي. وتنسجم هذه المواقف مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن أن الجيش الإسرائيلي سيحافظ على وجوده في أجزاء من جنوب لبنان طالما استمرت المخاطر الأمنية، وهو ما يعني أن الاتفاق الأميركي – الإيراني، حتى لو نجح في منع التصعيد المباشر بين الطرفين ووقف قصف شمال إسرائيل مقابل وقف قصف الضاحية، لن يؤدي بالضرورة إلى تهدئة كاملة على الجبهة اللبنانية. 

ختاما يبدو أن الاتفاق أقرب إلى تفاهم لوقف التصعيد لا يضمن تسوية شاملة للنزاعات القائمة في المنطقة. لذلك قد ينجح الاتفاق في تجنب مواجهة عسكرية كبرى خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يبدو كافياً لإنهاء أسباب الصراع. فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول حرية الملاحة في هرمز، بل حول شكل النظام الجديد في الشرق الأوسط وحدود النفوذ الإيراني فيه. 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment