إيران... نظام زومبي يقتات على الأحياء

06/16/2026 - 07:37 AM

San diego

 

 

علي الجزائري

في عالم السياسة، ثمة أنظمة تموت وهي واقفة. تبدو حية من الخارج، ترفع الشعارات، وتستعرض القوة، وتملأ الشاشات بالخطابات، لكنها في الواقع فقدت مقومات الحياة الطبيعية منذ زمن. ولعلّ النموذج الإيراني اليوم يقترب أكثر فأكثر من صورة "الزومبي" السياسي: جسد يتحرك، لكنه لا يعيش إلا عبر استنزاف الأحياء من حوله.

منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، بُنيت شرعية النظام على فكرة الثورة الدائمة والمواجهة المستمرة مع "العدو". لكن الثورات التي تتحول إلى أنظمة تحتاج مع الوقت إلى إنتاج اقتصاد مزدهر، ومؤسسات مستقرة، ومستوى معيشي مقبول لمواطنيها. هنا تكمن المعضلة الإيرانية.

فعلى الرغم من الثروات النفطية والغازية الهائلة، يعيش ملايين الإيرانيين تحت ضغط اقتصادي متزايد. تراجعت قيمة العملة الوطنية بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة، فيما تتكرر موجات الاحتجاج الشعبية التي تعكس اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

لكن الأنظمة التي تفقد قدرتها على تغذية نفسها من الداخل تبحث غالباً عن مصادر خارجية للبقاء. وهنا يظهر منطق "الزومبي السياسي". فبدلاً من تحويل الموارد إلى التنمية والإنتاج، يجري استثمارها في ساحات النفوذ الإقليمي، وفي شبكات الولاء العابرة للحدود، وفي صراعات مفتوحة تستنزف دولاً ومجتمعات بأكملها.

لقد تحولت أزمات المنطقة، في كثير من الأحيان، إلى جزء من آلية بقاء النظام نفسه. فكلما اشتدت الضغوط الداخلية، ارتفع منسوب الخطاب التعبوي الخارجي. وكلما تراجعت شرعية الأداء الاقتصادي، جرى استحضار شعارات المواجهة والمقاومة لتأجيل الأسئلة المتعلقة بالمعيشة والحوكمة والحقوق.

واللافت أن هذا النموذج لا يكتفي باستنزاف شعبه، بل يستهلك أيضاً طاقات الدول التي يدّعي دعمها. ففي عدد من دول الشرق الأوسط، ارتبط النفوذ الإيراني بتعميق الانقسامات السياسية والطائفية، وتحويل مؤسسات الدولة إلى ساحات صراع، ما ساهم في إضعاف الاقتصادات المحلية وتعطيل فرص الاستقرار.

المفارقة أن النظام الذي يقدّم نفسه باعتباره مشروعاً للمستقبل، بات أسيراً للماضي أكثر من أي وقت مضى. فالأمم الحية تبني الجامعات والمصانع ومراكز الأبحاث، بينما الأنظمة التي دخلت مرحلة الشيخوخة السياسية تستثمر في الأزمات لأنها لم تعد قادرة على إنتاج البدائل.

إن الخطر الحقيقي في "الزومبي السياسي" لا يكمن في قوته، بل في عجزه عن الاعتراف بموته السياسي. فهو يستمر في الحركة، لكنه لا يخلق حياة جديدة. ويستمر في الصراع، لكنه لا ينتج استقراراً. ويواصل استهلاك الموارد البشرية والاقتصادية حوله، لأنه فقد القدرة على تجديد ذاته من الداخل.

التاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكرياً أو اقتصادياً، بل عندما تصبح عاجزة عن إقناع شعوبها بأنها تمثل المستقبل. وعندما يتحول المستقبل إلى مجرد تكرار للماضي، يبدأ العدّ العكسي مهما طال الزمن.

لذلك قد يكون الوصف الأدق لبعض الأنظمة المعاصرة أنها ليست حية بالكامل ولا ميتة بالكامل؛ إنها أنظمة زومبي سياسية، تواصل السير على أقدامها، لكنها لا تعيش إلا من خلال استنزاف الأحياء من حولها.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment