الطريق إلى الحل في لبنان: ورقة وطنية واحدة وموقف إنساني جامع

06/06/2026 - 12:18 PM

Metrolink.com

 

بيروت - جورج ديب 

لم يعد لبنان يقف على حافة الانهيار؛ لقد تجاوز الحافة وسقط، وما نعيشه اليوم ليس أزمة عابرة ولا مرحلة سياسية صعبة، بل انهيار شامل يهدد بقاء الدولة نفسها. ومع ذلك، لا تزال الطبقة السياسية تتصرف وكأن الوقت ملك لها، وكأن اللبنانيين يملكون ترف الانتظار، وكأن الموت اليومي الذي يضرب القرى والمدن مجرّد تفصيل يمكن تجاوزه ببيان أو خطاب أو وعد جديد بوقف إطلاق النار. الحقيقة القاسية التي يدركها كل لبناني، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، هي أن هذا البلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الأكاذيب، ولا مزيدًا من الازدواجية، ولا مزيدًا من إدارة الأزمة وفق مصالح هذا الطرف أو تلك الدولة. فإلى متى يستمر الفشل؟ إلى متى الموت والخراب؟ إلى متى الوعود البراقة التي لا تُطفئ نارًا ولا تُعيد حياة؟ وإلى متى تُدار البلاد وفق التزامات مزدوجة، تُرضي الخارج وتُهين الداخل؟

إنّ الطريق إلى الحل في لبنان لا يمكن أن يُشقّ عبر صراع سياسي جديد بين السلطة وحزب الله، ولا عبر معارك إعلامية أو سجالات عقيمة. هذه المواجهات لم تُنتج يومًا دولة، ولم تُنقذ يومًا مواطنًا، ولم تُوقف يومًا حربًا. بل على العكس، كانت دائمًا وقودًا إضافيًا للانقسام، وغطاءً لاستمرار الفشل، وذريعة لتأجيل الحلول. الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن الحل يبدأ من ورقة لبنانية موحّدة، ورقة واحدة فقط، يتفق عليها الجميع — وأولهم حزب الله — على أن تكون مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، ولو لمرة واحدة في تاريخ هذا البلد المنهك.

هذه الورقة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. فلبنان اليوم ليس بحاجة إلى مبادرات خارجية جديدة، ولا إلى وساطات دولية إضافية، ولا إلى مؤتمرات دعم تُعقد في العواصم ثم تُدفن في الأدراج. لبنان بحاجة إلى قرار داخلي، قرار شجاع، قرار يضع حدًا للانقسام، ويعيد الاعتبار للدولة، ويمنح الجيش اللبناني والقوى الأمنية الغطاء الوطني الكامل للقيام بواجباتها. فالجيش، الذي يُترك وحيدًا في مواجهة الفوضى الأمنية والسياسية، هو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بثقة اللبنانيين، وهو آخر ما تبقّى من هيبة الدولة. ومع ذلك، يُعامل وكأنه طرف في الصراع، لا كركيزة أساسية لبقاء الوطن.

اللبنانيون الذين يعيشون اليوم بين الخوف والانتظار، يدركون أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنازعة، بل تحوّلت إلى صراع على هوية الدولة نفسها. كل طرف يقدّم روايته الخاصة، وكل فريق يملك تفسيره الخاص للأحداث، بينما الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها هي أن لبنان ينهار. انهيار المؤسسات، انهيار الثقة، انهيار الاقتصاد، انهيار الأمن، وانهيار الأمل. وفي ظل هذا الانهيار، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يملك الشجاعة لقول الحقيقة؟ ومن يملك الإرادة لاتخاذ القرار الصعب الذي يضع لبنان فوق الجميع؟

إنّ الورقة اللبنانية الموحّدة ليست مجرد وثيقة سياسية، بل هي فعل إنقاذ وطني. هي إعلان نوايا صادق، يضع حدًا للانقسام، ويعيد الاعتبار للدولة، ويمنح الجيش والقوى الأمنية الغطاء الذي تحتاجه للقيام بواجباتها. وهي أيضًا رسالة إلى الخارج بأن لبنان قادر على إدارة شؤونه بنفسه، وأنه ليس بحاجة إلى وصاية أو تدخل أو وساطة دائمة. فالدول لا تُبنى بالاعتماد على الآخرين، بل بإرادة أبنائها.

لكن هذه الورقة لن تولد من فراغ. فهي تحتاج إلى بيئة سياسية جديدة، وإلى جرأة في مواجهة الحقائق، وإلى استعداد للتنازل من أجل الوطن. تحتاج إلى أن يدرك الجميع، من دون استثناء، أن استمرار الوضع الحالي يعني مزيدًا من الموت والخراب، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من الانهيار الاقتصادي، ومزيدًا من فقدان الثقة بالدولة. وتحتاج قبل كل شيء إلى أن يقتنع اللبنانيون بأن لا أحد سينقذهم إذا لم ينقذوا أنفسهم.

وفي هذا السياق، يبرز المجتمع المدني كقوة إنقاذ حقيقية. فالمجتمع المدني، الذي أثبت في السنوات الأخيرة أنه أكثر تنظيمًا وفعالية من كثير من القوى السياسية، بات يشكّل شبكة أمان اجتماعية وسياسية. الجمعيات، المبادرات الشبابية، النقابات، والهيئات المستقلة تعمل بصمت، لكنها تعمل بفعالية. هي التي تقدّم المساعدات، وتكشف الفساد، وتدافع عن حقوق الناس، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. وهي التي تستطيع أن تضغط من أجل ورقة وطنية موحّدة، وأن تخلق رأيًا عامًا يتجاوز الاصطفافات الطائفية، وأن تدعم الجيش والقوى الأمنية عبر مبادرات وشراكات ومشاريع.

أما الإعلام، فهو ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو شريك في صناعة الوعي. في زمن التضليل، يصبح الإعلام الحرّ والمسؤول خط الدفاع الأول عن الحقيقة. دوره أن يكشف الحقائق، أن يفضح الازدواجية السياسية، أن يواجه الخطاب التحريضي، وأن يخلق نقاشًا وطنيًا جامعًا. الإعلام هو الجسر بين الداخل والاغتراب، بين المواطن والدولة، بين الحقيقة والرأي العام. وعندما يتوحّد الإعلام الحرّ مع المجتمع المدني، يصبحان قوة ضغط قادرة على فرض مسار جديد، مسار يضع لبنان فوق الجميع.

إنّ الطريق إلى الحل في لبنان ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى قرار. قرار بأن لبنان أهم من الأحزاب، وأهم من المحاور، وأهم من الحسابات الضيقة. قرار بأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي يجب أن تُجمع حولها القوى السياسية، وأن المجتمع المدني والإعلام هما شريكان في حماية الدولة. قرار بأن الوقت قد حان لورقة لبنانية موحّدة، تُعيد للبنان دوره الطبيعي كدولة ذات سيادة، لا كساحة لتصفية الحسابات.

لبنان يستحق أن يُنقذ، واللبنانيون يستحقون حياة لا تُقاس بالموت والخراب، بل بالأمل والعمل والكرامة. وما لم تُتخذ الخطوة الأولى اليوم، فقد يأتي الغد متأخرًا جدًا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment