صِراعُ النُّورِ والظِّلِّ

06/03/2026 - 11:13 AM

San Diego

 

مفيد خطار

في داخلي مَعبَدان: واحدٌ يُصلّي في صمتِ النُّور، وآخرُ ينفخُ في رَمادِ الرَّغبةِ بحثًا عن دفءِ الحياة. وأعيشُ بينهما كراهبٍ تأخَّر عن الوصولِ إلى الجرسِ الأخير، فلا هو عادَ إلى بدايتِه، ولا بلغَ نهايتَه.

حين أُصغي إلى صوتِ العقل، أرى في أعماقي وجهَ اللَّه يشرقُ كفجرٍ هادئٍ على قممٍ لم تمسَّها الضوضاء. وحين يثقُلُ عليَّ الجسد، أشعرُ بالأرضِ تشدُّني إليها، لا كعدوّةٍ للسَّماء، بل كأمٍّ تخشى أن يضيعَ ابنُها في البعيد.

وفي الليل، حين يخفُتُ ضجيجُ النَّهار، تنهضُ فيَّ رغباتٌ قديمة، تتكلَّمُ لغةَ الطِّين، وتهمسُ من أعماقِ الذّاكرة:

«اقتربْ... ما زلتَ من تُراب.»

لكن نسيمًا آخر يعبرُ القلب، خفيفًا كالصَّلاة، ويقول:

«قُمْ... ما خُلِقتَ لتنطفئ.»

فأبقى بين دعوتين: دعوةٍ إلى العلوّ، ودعوةٍ إلى الالتصاقِ بما هو ملموسٌ وقريب. لا أستطيعُ أن أُنكرَ واحدةً منهما، لأنَّ كلتيهما تحملان شيئًا من حقيقتي.

فالروحُ لا تحتقرُ الجسد، بل تنتظرُ أن يكتشفَ معناه. والجسدُ لا يرفضُ النُّور، بل يتعثَّرُ في الطريقِ إليه، كما يتعثَّرُ المسافرُ المتعبُ وهو يبحثُ عن بيتِه في العتمة.

وحين أتعبُ من هذا التَّجاذب، أجلسُ عند عتبةِ قلبي كطفلٍ أضاعَ الطريق، وأدعُ للصَّمتِ أن يتكلَّمَ بدلًا منّي. هناك، في العُمقِ الذي لا تبلغه الكلمات، أسمعُ اللَّه يهمس:

«دعني أكنْ أنا سلامَك. لا تخفْ من صراعِك، فأنا لا أسكنُ الكاملين، بل الذين يعودون إليَّ كلَّ مرّةٍ بقلبٍ أكثرَ صدقًا.»

عندها أفهمُ أنني لستُ مُمزَّقًا بين نورٍ وظلّ، بل في رحلةٍ طويلةٍ نحو وحدةٍ أعمق. وأنَّ ما ظننته حربًا لم يكن إلّا شوقًا يبحثُ عن اكتماله.

وحين يلتقي التُّرابُ بالنَّفحةِ الإلهية، يولدُ في الدّاخلِ إنسانٌ جديد؛ لا إنسانُ الانتصارِ على ذاتِه، بل إنسانُ المصالحةِ معها. إنسانٌ عرفَ أنَّ النِّعمةَ لا تُلغي الجراح، بل تُحوِّلُها إلى أبوابٍ يدخلُ منها السَّلام.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment