بيروت - بيروت تايمز - حوار منى ابراهيم
ناجي علي أمهز هو كاتب وباحث سياسي لبناني، يُعد من الأصوات البارزة في التحليل السياسي والشؤون الإقليمية. اكتسب حضورًا واسعًا في الساحة الإعلامية العربية بفضل أسلوبه المباشر وقراءاته العميقة للواقع اللبناني والتحولات الإقليمية. تُنشر مقالاته في عشرات المواقع والصحف العربية والدولية، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات متعددة نظرًا لانتشارها وتأثيرها.
في ربيع عام 2026، وبينما كانت رياح الحروب تعصف بمدن المشرق وتثقل سماء المتوسط بغيوم الدخان، برز سؤال جوهري يتجاوز السياسة اليومية ويطرق باب الوعي الإنساني: هل يستطيع المشرق أن يستعيد إنسانيته؟ هذا السؤال لم يأتِ من فراغ، بل من لحظة رمزية لافتة: زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى الجزائر، حيث بدا المشهد وكأنه اختبار أخلاقي بين رؤيتين متناقضتين للعالم.
اليوم هناك مؤسسة روحية عالمية تحاول إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية المشتركة، وتذكّر بأن الإنسان هو الغاية قبل أن يكون وسيلة. ومن جهة أخرى، كيانات مذهبية متناحرة غارقة في صراعات الهوية، تُعيد إنتاج الكراهية والانقسام، وتتعامل مع الإنسان كوقود لمعركة لا تنتهي.
هذا التباين الصارخ هو ما يلتقطه الكاتب ناجي علي أمهز في قراءاته الفكرية والسياسية، حيث يرى أن المشرق يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستعيد دوره التاريخي كجسر حضاري وإنساني، وإما أن يواصل الانحدار نحو مزيد من التفكك الأخلاقي والوجودي.
هذه المقدمة تمهّد لنقاش أوسع حول مستقبل المشرق، مستوحى من أفكار أمهز التي تدعو إلى إعادة بناء الوعي، وتحرير الإنسان من أسر العصبيات، والعودة إلى جوهر الرسالات التي وُلدت على هذه الأرض: الكرامة، العدالة، والإنسانية.
يقول الكاتب ناجي أمهز في توصيفه لهذا المشهد، إن "العظمة" ليست في العقيدة النظرية، بل في الممارسة التي تلمس جراح الناس. فعندما يشاهد العالم البابا لاوون الرابع عشر وهو يواجه، ليس فقط بالصلاة بل بالحزم السياسي والإيمان الأخلاقي، الحرب على دول إسلامية، ويحث الاتحاد الأوروبي على الدفاع عن بلاد "أخرى" تختلف معه في الدين وتلتقي معه في الأنسنة، فإنه يعيد تعريف معنى "الراعي".
المفارقة المؤلمة تكمن في المقارنة؛ فبينما يُشاهد السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا وهو يعتلي ظهره أكياس المواد الغذائية ليوزعها على المتضررين في القرى الحدودية من جنوب لبنان، نجد في المقلب الآخر رجال دين غارقين في "نرجسية الوشاح"، يعتقدون أن العمامة أو الرداء الديني يمنحهم حصانة من التواضع أو خدمة المحتاج. هنا يدرك المراقب "الخطأ البنيوي": حين يصبح رجل الدين "سوبرمان" في برجه العاجي، بينما يمارس "الغريب" – الذي ليس ابن وطننا ولا قريباً لأي من هؤلاء المعذبين – دور الخادم المطيع لآلام البشر.
وتتسع التساؤلات المشروعة التي يطرحها هذا الواقع:
• لماذا تتبرع الكنيسة في الفاتيكان، وهي التي لا تجبي خمساً ولا زكاة من أموال المسلمين، وتقدم معوناتها بصمت ودون منّة، بينما نرى بعض من تُجبى إليهم أموال الخمس والزكاة يُقيمون الدنيا ويقعدونها بمجرد تقديم كيس من "العدس" وكيلو من الملح، هذا إن تبرعوا أصلاً؟!
• لماذا تبحث الكنيسة عن الأيتام والفقراء المسلمين لتدعمهم وتدافع عنهم، بينما ينشغل بعض المسلمين بتكفير المسيحيين والحديث عن تحريف إنجيلهم؟!
• لماذا نرى المسلم في البلدان العلمانية – ذات الأكثرية المسيحية الخاضعة للتصويت – ينتخبه المسيحيون لأرفع وأعلى المناصب، بينما يُنظر إلى المسيحي في بعض المجتمعات الإسلامية كأنه من "أهل الذمة"؛ عليه أن يدفع الجزية، ولا يحق له التمثل في المناصب الرسمية، بل ويصل التزمت بالبعض إلى حد تحريم الأكل والشرب والجلوس معه؟!
لماذا تضج الدول العلمانية ذات الجذور المسيحية بالنظام، والابداع التكنولوجي، والرواية، والفلسفة، والموسيقى، والنظافة، والحب والسلام، رغم خلوّ أراضيها من كنوز النفط والغاز؟ ولماذا، في المقابل، تفيض الدول التي تمطرها السماء ذهباً وتنبت لها الأرض مالاً وثروات بالحروب والخراب والدمار؟
هذا السؤال الذي يطرحه أمهز هو جوهر "العطش للإنسانية". إنها ثقافة "احترام الحياة" مقابل ثقافة "تمجيد التفرقة واقتتال المذاهب". في تلك الدول، الإنسان هو القيمة العليا، أما في صراعاتنا الشرقية، فقد تحول الإنسان إلى مجرد "رقم" أو "وقود" لمحرقة مذهبية لا تنتهي. لقد أصبحت المقابر في بعض مدننا أكثر اتساعاً من البيوت، وهذا هو الدليل الدامغ على أن هناك خللاً عميقاً في فهمنا للدين والاجتماع البشري.
وينقل أمهز فكرة بالغة الحساسية حين يقول: "لولا تصرفات وكلمات بعض المسيحيين المتأثرين بالعقل العربي الشرقي، لكانت غالبية المسلمين منذ أمد قد اعتنقوا المسيحية". وهي إشارة إلى أن جوهر الرسالة المسيحية الإنساني جاذب جداً، لولا بعض الشوائب الثقافية المحلية.
ولعلّ أكثر أجزاء تشريح الحالة إيلاماً هو ما أشار إليه أمهز بخصوص "الفرح الشامت" بالضحية. لقد سقطت الفكرة الدينية والأخلاقية حين أصبحت الحروب تُصنف مذهبياً قبل أن تُصنف إنسانياً:
• حين قُتل الشيعي، فرحت غالبية السُنّة.
• وحين دمرت غزة وقُتل السني فيها، زعم البعض أنه شيعي ليبرروا صمتهم وتخاذلهم، رغم أنه لم يُرَ طفل غزاوي يهتف بيا "حسين"، ولم يُسمع في مساجدهم خطيب شيعي!
• وحين دُمّر لبنان وسوريا، كان البحث دائماً مستمر عن "تسمية مذهبية" تخرج الضحية من دائرة التعاطف الإنساني.
هذه "المقصلة المذهبية" التي لا تشبع، ستستمر – كما يرى ناجي أمهز – في التهام الجميع. اليوم يُقتَل "المخالف" في المذهب، وغداً سيُقتَل الصوفي، ثم الأشعري، ثم الحنفي، ثم الشافعي.. والبحث دائماً مستمر عن "نقطة اختلاف" تبرر غياب الرحمة. إنها حالة من الانتحار الجماعي تحت شعارات مقدسة.
إن نبوءة "العودة غريباً" التي ذكرها نبي الإسلام، تتجسد اليوم في أبشع صورها؛ فالقيم التي نادى بها محمد من عدل ورحمة ونصرة للمظلوم، تبدو اليوم "غريبة" في ديار المسلمين، بينما نراها "ممارسةً" حية في مواقف البابا وتحركات الكنيسة نحو المقهورين.
ربما كان الرسول يدرك بوعيه الاجتماعي أن "العصبية القبلية" هي الوحش الذي سيفتك بالدين، وهو ما حدث منذ اللحظة الأولى لوفاته وحتى اليوم. الصراع السياسي لم يتوقف يوماً، بل ارتدى عباءة الدين ليصبح أكثر دموية.
في الختام، إن "العطش للإنسانية" الذي يشعر به المسلم قبل غيره اليوم تجاه مواقف الكنيسة، ليس تخلياً عن العقيدة، بل هو "صحوة ضمير". إن الناس بدأت تدرك أن الدين الذي لا يجعلنا أكثر رأفة بالإنسان، وأكثر حرصاً على جمال المدن، وأكثر شجاعة في وجه الظلم، هو دين اختطفته القبلية.
لقد علمتنا أحداث 2026 أن "الفرق الكبير" بين المسيحية المعاصرة والواقع الإسلامي المأزوم، هو أن الأولى قررت أن تكون "جسراً للعبور نحو الآخر"، بينما لا يزال الثاني يبني "جدراناً طائفية" لتعميم الموت.













04/13/2026 - 08:59 AM





Comments