بيروت - تحقيق اوديت ضو الاسمر
يُصنَّف النظام السياسي اللبناني على أنه يعيش حالةً من الانهيار الوظيفي والمؤسسي، حيث فقدت السلطة القدرة على إدارة البلاد، وحماية مواطنيها، وفرض القانون، وضمان الاستقرار. وانطلاقًا من هذه الوقائع، أجرى موقع "بيروت تايمز" حوارًا مع أمين سرّ المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)، الأستاذ بسام ضو، حول الأزمة اللبنانية، وأداء السلطة السياسية، وآخر مستجدات المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برعاية أميركية.
والى الحوار الشيق:
■ كيف تقيّمون الوضع العام في ظلّ الانقسام السياسي؟
^ الأزمة اللبنانية فعليًا معقّدة للغاية، وتتداخل فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية، ممّا يجعل الحلول بعيدة. وفق المعلومات المتوافرة لدينا، باتت الأرض اللبنانية ساحة لتبادل الرسائل، إضافةً إلى الخلل البنيوي في تركيبة النظام السياسي اللبناني. ومن يدّعي من السياسيين أنه يملك الحل يغفل حقيقة الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، فالأزمة في لبنان جوهرها مركّب بأبعاد ثلاثة: مصالح خاصة - مصالح إقليمية - مصالح دولية.
نحن أمام أزمة مصيرية ودقيقة تجمع بين وضع أمني غير طبيعي، ووضع اجتماعي-اقتصادي ميؤوس منه. وفي مركز الأبحاث نلاحظ أنّ الحكومة بتركيبتها الحالية غير قادرة على مواكبة الوضع، وتحوّلت إلى أداة لإدارة الصراع حصرًا، ولم تُبادر إلى اتخاذ أي قرار سيادي يُنهي الأزمة الأمنية الحالية. وهي عمليًا تُهمل تطبيق القوانين المرعية الإجراء، وفي طليعتها قانون الدفاع الوطني الذي ينصّ في مادته الأولى على حماية لبنان بواسطة القوى الشرعية حصرًا.
كما نلاحظ أنه لا توجد لدى النظام رغبة أو استراتيجية واضحة لمواكبة الحلول المطروحة من قبل الدول المعنية بالأزمة اللبنانية. تقييمنا للنظام هو التالي: نظام غارق في الفساد والعجز، فاشل وغير قادر على إيجاد الحلول. ورغم خلافاته السياسية، يتظاهر أمام اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي بأنه قادر على مواكبة الأحداث، لكن مع تفاقم الأخطاء أصبح في حالة عجز وإرباك وعدم قدرة على الخروج من الأزمات.
من هذه المنطلقات، طرحنا منذ حوالي شهرين، سواء على مستوى الداخل أو على المستويين الإقليمي والدولي، "مشروع تعديل وزاري طارئ" يشمل الوزارات المعنية بالأزمة اللبنانية. وقد بدأت بعض الدوائر الإقليمية والدولية تراجعنا في هذا الأمر وتبحث معنا تفاصيله. والمؤسف أنّ النظام في لبنان يُغيّب نفسه عن هذا الطرح لأنه نظام سياسي مبني على الفساد والتبعية والعمالة.
من هنا نعمل على خطين متوازيين:
الأول طرح فكرة "التعديل الوزاري الطارئ" أمام المحافل الإقليمية والدولية،
والثاني تبلور مشروع قوى شعبية لفرض التغيير والإصلاح منعًا لإدخال الجمهورية في فوضى وضياع.
■ كيف تُقيّمون أداء المجلس النيابي؟
^ دستوريًا، تعتمد مراكز الأبحاث في تقييم أداء أي مجلس تشريعي على ركيزتين أساسيتين: العمل التشريعي والدور الرقابي. كثير من النواب يُدارون بطرق لا تنمّ عن المسؤولية والأمانة، وهذا يقودنا إلى القول إنّ إدارة النواب يشوبها التعسّف الواضح وغياب العدالة والنزاهة.
أغلبية الرأي العام كوّنت رأيًا واضحًا مفاده أنّ معظم النواب لا يمارسون الدور الرقابي الحقيقي، ويتغيّبون عن الجلسات، ويُهملون قرارات تُعنى بحياة اللبنانيين وفق شرعة حقوق الإنسان. والمؤسف أنّ النواب اجتمعوا وقرّروا زيادة رواتبهم فيما الشعب يرزح تحت وطأة أسوأ الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
واستنادًا إلى إحصاء أجريناه، تبيّن أن الكلفة الحسابية التقريبية لكل قانون أقرّه هذا المجلس بلغت حوالي 1.038 مليون دولار، علمًا أننا في بلد يعاني من تراجع الخدمات وغياب الإصلاحات.
انطلاقًا من هذا الواقع المذري، نعتبر أنّ المال العام ليس ملكًا لأي سياسي، بل وُجد لخدمة اللبنانيين لا لإفقارهم. وسعينا عبر المراكز الدولية لحقوق الإنسان إلى مساعدتنا في خلق دولة فعلية بمؤسسات فاعلة ورقابة على الإنفاق ومحاسبة كل من يهدر المال العام. فالنظام الديمقراطي يبدأ باحترام القانون والمواطنين وممتلكاتهم، وهذا هو هدفنا.
■ النظام عاجز عن فرض سيطرته على السلاح غير الشرعي... ما تعليقكم؟
^ فعليًا، يبدو النظام عاجزًا عن فرض سيطرته الكاملة على أراضيه. السيطرة السياسية مفقودة، والسيطرة الأمنية مفقودة، والسيطرة الإعلامية مفقودة. وبالتالي نحن أمام نظام سياسي فاشل غير قادر على ضبط الجماعات المسلحة والميليشيات المتواجدة على الأرض.
الدستور اللبناني يؤكد أن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، وأن الدولة مستقلة ذات سيادة تامة، وتلتزم المؤسسات الدستورية بحماية وحدة الأرض والكيان وصون المصلحة الوطنية العليا في إطار سيادة القانون.
وحفاظًا على مقتضيات الدفاع عن الوطن وسط وجود ميليشيا تتغذّى بالمال والعتاد من الخارج، كان لزامًا على النظام السياسي اللبناني، استنادًا لقانون الدفاع الوطني والمواثيق الدولية، أن ينشر قواه الشرعية على كل الأراضي اللبنانية بكل الوسائل المتاحة، وإن اقتضى الأمر طلب مؤازرة قوى دولية للمحافظة على الأمن المحلي والإقليمي والدولي.
باختصار، نحن أمام نظام هجين فاقد للشرعية الدستورية، وبالتالي أصبحت الدولة بلا سيادة، ومعها تتآكل السلطة وتنمو الميليشيا على حساب القوى الشرعية وتضعف المؤسسات.
■ كيف تُقيّمون أثر التفاوض مع إسرائيل تحت الرعاية الأميركية؟
^ في العلم الدبلوماسي، تقوم العمليات التفاوضية على إيجاد تسوية للنزاع بكل الوسائل السلمية عبر الحوار وتبادل الأفكار بين أطراف ذات سيادة. والمؤسف أنّ الطرف اللبناني غير حر في أفكاره ومواقفه، ويبدو أنه يتبنّى نظرية "حزب الله" ويتخوّف من ردّات فعله تجاه أي عملية تفاوضية، ما يؤدي إلى عرقلة المسار لأنّ الطرف اللبناني غير ممسك بالأرض.
ومن خلال ما يُحكى عبر وسائل الإعلام، يتبيّن أن "حزب الله" أقام مراكز عسكرية في مناطق مأهولة، وهذا يضع الوفد المفاوض أمام مسؤولية مباشرة لعدم قدرته على توفير الأمن والضمانات المطلوبة. وفي هذا السياق، إنّ عجز السلطة عن ضبط الوضع الأمني ونشر الجيش اللبناني أضعف ثقة الأميركيين واللبنانيين، لأنّ الطريق للانسحاب الإسرائيلي يمرّ عبر تمكين القوى الشرعية من أداء دورها بالكامل.
إنّ أي مماطلة في هذا الإطار قد تُعيق فعليًا فرض سلطة الدولة وحصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية. وفي المركز PEAC، نسعى بكل ما أوتينا من جهود وصداقات لطمأنة المجتمع الدولي، لأننا كلبنانيين توّاقون للسلام، ونعمل على طرح خطة تستند إلى قانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 1 - 26/9/1984 وتعديلاته)، وقانون الطوارئ (المرسوم الاشتراعي رقم 52 - 5 آب 1967).
وتتلخص الأسباب الموجبة لخطتنا على الشكل التالي:
أ - الإحتلال الإسرائيلي ونيّة الحكومة الإسرائيلية ضمّ أراضٍ لبنانية.
ب - وجود ميليشيا خارجة عن سيطرة الدولة وتدخل خارجي يرعاها.
ج - الخلل في التوازن بين السلطات.
د - الحاجة إلى تعديل وزاري طارئ.
هذه الأسباب تلزمنا دستوريًا ووطنيًا طرح حالتي التعديل الوزاري الطارئ وإعلان حالة الطوارئ، لأنّ الإخلال بالأمن والسيادة خط أحمر لا يمكن تجاوزه.













08/13/2026 - 07:17 AM





Comments