بيروت - تقرير اخباري من اعداد جورج ديب
تتسع رقعة النزوح من القرى الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت بوتيرة غير مسبوقة منذ بدء التصعيد العسكري، حيث تشير تقديرات منظمات الإغاثة إلى أن ما بين 800 و980 ألف شخص غادروا منازلهم خلال الأسابيع الأخيرة، في واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي التي يشهدها لبنان منذ عقود. معظم النازحين خرجوا من المناطق الأكثر تضرراً في بنت جبيل، الخيام، مارون الراس، رميش، عيترون، الناقورة، إضافة إلى أحياء برج البراجنة والغبيري والشياح، حيث باتت الحياة اليومية تحت القصف شبه مستحيلة.
ومع غياب مراكز إيواء رسمية، تحولت الساحات العامة في وسط بيروت إلى مخيمات مفتوحة تستقبل العائلات التي لم تجد مكاناً آخر تلجأ إليه. مشاهد الأطفال النائمين على الأرصفة، والنساء اللواتي يحملن ما استطعن حمله من منازل مدمرة، والرجال الذين يبحثون عن أي مساحة آمنة تقيهم برد الليل، باتت جزءاً من المشهد اليومي للعاصمة. كثيرون وصلوا سيراً على الأقدام من مداخل الضاحية، فيما قطعت عائلات أخرى عشرات الكيلومترات من القرى الجنوبية عبر طرق فرعية هرباً من القصف.
وتقول منظمات الإغاثة إن موجة النزوح الحالية تفوق قدرة أي جهة محلية على الاستجابة. فبحسب بيانات أولية للصليب الأحمر اللبناني، ارتفع عدد طلبات الإسعاف والنقل من الجنوب والضاحية بنسبة 60% خلال الأيام الماضية، فيما تشير المستشفيات في بيروت وصيدا وصور إلى أنها تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، مع تسجيل ارتفاع في حالات الاختناق والصدمات النفسية بين الأطفال والنساء. وتقدّر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وجود ما لا يقل عن 35 ألف نازح في الساحات العامة وحدها، بينما توزّع البقية بين مدارس مغلقة، ومبانٍ قيد الإنشاء، ومنازل أقارب.
القرى الجنوبية التي كانت حتى وقت قريب تتحمل وطأة المواجهات، أصبحت شبه خالية في بعض المناطق. سكان من الخيام وبنت جبيل يقولون إن القصف لم يترك مجالاً للبقاء، وإن الطرقات امتلأت بعائلات تحمل أطفالها وأكياساً صغيرة تضم ما تبقى من ممتلكاتها. بعضهم سار لساعات للوصول إلى سيارات إسعاف أو نقاط تجمع تنقلهم إلى بيروت وصيدا. وفي بلدات مثل رميش وعيترون، اضطر الأهالي إلى ترك منازلهم تحت ضغط التحذيرات المتكررة من توسع العمليات العسكرية.
في بيروت، تحاول البلديات فتح بعض المدارس الرسمية كمراكز إيواء، لكن القدرة الاستيعابية لا تتجاوز 10 آلاف شخص، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم النزوح. الجمعيات المحلية تبذل جهوداً كبيرة لتأمين وجبات ساخنة وأغطية، فيما تعمل منظمات دولية على تقييم الاحتياجات وتقديم مساعدات عاجلة، لكن الجميع يتفق على أن الأزمة تتفاقم بسرعة تفوق قدرة أي جهة منفردة على التعامل معها.
وتقول إحدى المنظمات الدولية إن مخزونها من المواد الغذائية يكفي لأيام قليلة فقط إذا بقيت وتيرة النزوح على هذا المستوى، بينما تشير جمعيات لبنانية إلى أن الحاجة الأكبر اليوم هي لتأمين أماكن آمنة للنوم، خصوصاً للأطفال والنساء وكبار السن. وفي ظل غياب خطة طوارئ حكومية واضحة، تبقى المبادرات الفردية والمتطوعون خط الدفاع الأول في مواجهة كارثة إنسانية تتكشف ساعة بعد ساعة.
ورغم كل هذا، لا تزال العائلات تحاول التمسك بالأمل. أمّ من بنت جبيل تقول إنها لا تريد سوى “مكان آمن ينام فيه أولادها”، ورجل من الخيام يروي كيف قطع الطريق ليلاً حاملاً طفلته التي كانت ترتجف من الخوف. هذه القصص تتكرر في كل زاوية من ساحات بيروت، حيث تتجمع العائلات بانتظار ما إذا كانت الأيام المقبلة ستجلب معها تهدئة… أم مزيداً من النزوح والضياع.
بيروت التي لطالما كانت ملجأً للنازحين من مختلف المناطق، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ إنساني كبير يتطلب تدخلاً رسمياً ودولياً عاجلاً. ومع كل ساعة تمر، تتزايد الأعداد، وتتقلص الخيارات، فيما تبقى العائلات في الشوارع تنتظر ما إذا كانت الأيام المقبلة ستجلب معها أملاً… أم مزيداً من النزوح والضياع.
ومع استمرار العمليات العسكرية وغياب أي مؤشرات لوقف إطلاق النار، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات أكثر تعقيداً. بيروت التي لطالما احتضنت أبناء الجنوب والضاحية، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ إنساني هائل يتطلب تدخلاً رسمياً ودولياً عاجلاً، قبل أن تتحول الساحات إلى مخيمات طويلة الأمد، وقبل أن يصبح النزوح واقعاً دائماً لا مؤقتاً.













03/22/2026 - 04:09 AM





Comments