كتب كريم حداد
في الوقت الذي يرابط فيه جنود الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية، يواجهون يومياً الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي والأجواء والمدنيين اللبنانيين، يأتي إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن ليؤكد مرة جديدة أن الجيش لا يزال الرمز الأخير للسيادة والكرامة الوطنية.
البيان الأخير لقيادة الجيش، الذي وثّق الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، لم يكن سوى واجب مهني ووطني يُمليه الدستور والقانون والضمير العسكري. لم يكن فيه أي تحيّز أو انحياز، بل مجرد تسجيل للحقائق الميدانية التي يعيشها الشعب اللبناني يومياً.
ومع ذلك، تفاجأ اللبنانيون بإلغاء كل الاجتماعات المقررة مع قائد الجيش في واشنطن، وإلغاء حفل الاستقبال الرسمي في السفارة اللبنانية في واشنطن، وتصاعد أصوات في الكونغرس تُشكّك في مستقبل المساعدات العسكرية.
لكن الأمر الأكثر إيلاماً هو أن جزءاً كبيراً من هذا الضغط لم يأتِ من الخارج فقط، بل تمّ تغذيته وتضخيمه من الداخل عبر حملة منظمة أطلقها فريق من اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة. هؤلاء، عبر منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست والرسائل المباشرة إلى أعضاء الكونغرس والإدارة، شنّوا هجوماً شرساً على قائد الجيش وقيادته، متهمين إياه بـ«عدم الحزم» أو «التساهل»، ومطالبين علناً بوقف الدعم الأمريكي عن المؤسسة العسكرية.
حملة لم تكتفِ بالنقد، بل تحولت إلى تحريض مفتوح يهدف إلى تجريد الجيش من أي قدرة دفاعية في اللحظة التي يحتاج فيها إلى كل طلقة وكل قطعة سلاح.
من المؤلم حقاً أن يقود لبنانيون – يعيشون في أمان الخارج ويتمتعون بحرية التعبير التي يضمنها الدستور الأمريكي – حملة تهدف عملياً إلى نزع السلاح عن جيش بلدهم، في وقت يسقط فيه الشهداء يومياً دفاعاً عن القرى والأراضي الجنوبية التي قد لا يزورها كثير منهم من هؤلاء المغتربين منذ سنوات.
إن استهداف قيادة الجيش بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت بالذات، ليس مجرد خلاف سياسي، بل عمل يمسّ جوهر السيادة الوطنية ويُضعف الجهة الوحيدة التي تقف اليوم بين لبنان والاحتلال الفعلي.
الجيش اللبناني ليس ملكاً لفئة أو لحزب أو لوبي في الخارج. هو ملك لكل لبناني، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن بيروت إلى أبعد قرية في العرقوب. هو المؤسسة الوحيدة التي بقيت شامخة رغم كل الأزمات، والتي لا تزال تقول الحقيقة مهما كلّفها ذلك.
من يريد نقد الجيش فليفعل، لكن من يعمل – عن قصد أو غير قصد – على حرمانه من السلاح والدعم في هذه الظروف، فهو يخدم عملياً من يقصف قرى الجنوب يومياً، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.
اليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الجيش اللبناني إلى وقوف اللبنانيين جميعاً خلفه، في الداخل كما في الاغتراب. لأن الدفاع عن قيادة الجيش ليس دفاعاً عن أشخاص، بل دفاع عن آخر حصن بقي للكرامة الوطنية.
الجيش باقٍ، والسيادة باقية، والشعب اللبناني لن يترك جنوده وحدهم في الميدان.












11/18/2025 - 11:36 AM





Comments