السّلامُ الذي لا يُقهَر

11/17/2025 - 13:42 PM

Arab American Target

 

 

 

الاب الدكتور نبيل مونس *

 

«سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ، سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.»

(يوحنا 14: 27)

 

نحنُ نعلمُ علمَ اليقينِ هذهِ الحقيقةَ الإلهيّةَ، فقد خبِرناها عبرَ أكثرِ من ألفٍ وستّمائةِ سنةٍ منَ التّاريخِ، في اختباراتٍ دينيّةٍ وسياسيّةٍ، محليّةً كانت أم إقليميّةً أم عالميّة.

أقولُ ذلك لنفسي، ولكلّ باحثٍ يتأمّلُ في معنى زيارةِ الأبِ الأقدسِ، البابا لاون الرّابع عشر، إلى وطنِنا الصّغير. فهو، على غرار طبيعته الجيولوجيّة، صعبٌ صامدٌ، معقّدٌ في وِدْيانه ومسالِكه، عميقٌ في ينابيعه، غنيٌّ بمعانيه، عصيٌّ حتّى في أسرارِ مياهِه الجاريةِ.

آثارُ الفاتحين الرّاحلين ما زالتْ منقوشةً على شواطئه، من الجنوبِ إلى الشّمال، ومنَ الجبالِ إلى السّهولِ والتّلال.

لقد جاءَ المسيحُ نفسُه إلى أرضِه لينعمَ بسلامٍ مؤقّتٍ، هو في جوهرِه السّلامُ الحقيقيُّ والدّائمُ، فوجدَ فيها إيمانًا عظيمًا، إيمانَ المرأةِ الكنعانيّةِ.

أمّا البابا الأوّل، مار بطرسُ الصّخرةُ، فقد أسّس في صور وصيدا وجبيل، وصولًا إلى أنطاكية، جماعاتٍ وكنائسَ كانت كبذرةِ خردلٍ صغيرةٍ نَمَتْ ولم تَسقُط حتّى اليوم، لأنّ الرّبَّ يسوع أعطاها سلامَه وكلمتَه ونورَه وروحَه الذي «يهبُّ حيثُ يشاءُ».

ولننظرْ كيف زارَنا سلامُ المسيحِ من جديدٍ بعد أحداثِ عام 1958، في شخصِ البابا القديسِ بولس السّادس، الذي خلّصنا بقوّةِ الكلمةِ، كلمةِ الحياةِ والسّلامِ، وصارَ قديسًا في الكنيسةِ الجامعةِ الرّسوليّةِ.

ثمّ جاءَ البابا القديسُ يوحنا بولسُ الثاني ليكرّسَ لبنانَ «بلدَ الرّسالةِ واللّقاءِ»، بعدَ كلّ محاولاتِ إلغاءِ حضورهِ وتهجيرِ شعبِه أو تشتيتِهم في بِقاعِ الأرض. وصمدَ لبنان، لبنانُ السّلامِ، حتّى في ضعفِه وانقساماتهِ، في وجهِ حروبِ الآخرين على أرضِه، ولا سيّما صراعاتُ القوى العظمى المُلحِدةُ، السّوفياتيّةُ منها ومَن دار في فلكِها وانخدعَ بإيديولوجيّاتِها.

واليومَ، عندَ هذا المنعطفِ الكبيرِ في تاريخِ العالم، لا المنطقةِ وحدها، يُرسل إلينا الربُّ رسولًا جديدًا ليقدّسَ تضحياتِ الأبرياءِ في بيروت، ويخلّصَ أرضَ يسوع في الجنوبِ، ويحفظَ لنا وللشّرقِ والعالمِ هذا الوطنَ: بلدَ الرّسالةِ والقداسةِ، بلدَ شربل وسراجِه، ويعقوب ورحمتِه، ورفقا وآلامِها، واسطفان ومعولِه، والأب بشارة وحنانِه، والشهيدِ وهيب كيروز، والأبِ الحايك، وجميعِ الشّهداءِ الأبرار، الأحياءَ منهم والمخطوفين والمظلومين الوُدعاء.

فلنصرخْ معًا، بقلبٍ واحدٍ، وإرادةٍ صلبةٍ، وصوتٍ واحد:

انفتحي أيّتها السّماءُ، وامطري علينا سلامَ الصدّيق.

ولننادي مع النّبي إشعيا:

«لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ، فَتَتَزَلْزَلُ الْجِبَالُ مِنْ وَجْهِكَ.»

(إشعيا 64: 1)

 

* الاب الدكتور نبيل مونس-راعي ابرشية سيدة لبنان المارونية في ولاية اوكلاهوما الأميركية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment