موقف نبيه بري من قانون انتخاب المغتربين: بين المناورة السياسية وتطيير الاستحقاق الانتخابي

11/17/2025 - 08:34 AM

A

 

كتب جورج ديب *

 

في خضمّ التجاذبات السياسية التي تعصف بالمشهد اللبناني، عاد ملف انتخاب المغتربين إلى الواجهة، مثيرًا جدلًا واسعًا حول نوايا السلطة التشريعية في التعامل مع هذا الاستحقاق. فقرار رئيس مجلس النواب نبيه بري بعدم إدراج قانون انتخاب المغتربين على جدول أعمال الجلسة التشريعية الأخيرة لم يكن مفاجئًا للمتابعين، بل اعتُبر خطوة مدروسة تهدف إلى تعطيل الانتخابات في الخارج، وربما فتح الباب أمام تطيير الانتخابات النيابية برمّتها.

خلفية قانونية وسياسية

ينصّ القانون الانتخابي الحالي رقم 44/2017، وتحديدًا المادة 112، على تخصيص ستة مقاعد نيابية للمغتربين اللبنانيين، تُنتخب في الخارج. إلا أن انتخابات عام 2022 شهدت استثناءً، حيث مُنح المغتربون حق التصويت للنواب الـ128 وفق دوائرهم الأصلية، ما اعتُبر إنجازًا ديمقراطيًا يعكس تطورًا في مشاركة اللبنانيين المنتشرين حول العالم.

ومع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، برزت دعوات لتثبيت هذا الحق وتوسيعه، إلا أن موقف بري جاء معاكسًا لهذا التوجه، إذ رفض إدراج أي تعديل على القانون الانتخابي، ما فُسّر بأنه محاولة لإبقاء المغتربين ضمن هامش تمثيلي ضيق، أو حتى تعطيل مشاركتهم بالكامل.

قراءة في موقف بري

يرى مراقبون أن موقف بري "غير مستغرب"، بل يندرج ضمن استراتيجية سياسية تهدف إلى ضبط مسار الانتخابات بما يخدم مصالح القوى التقليدية. فالمغتربون، الذين يُعتبرون أكثر تحررًا من الضغوط الحزبية والطائفية، يشكّلون كتلة ناخبة غير مضمونة النتائج، وقد يُحدثون تغييرًا في موازين القوى داخل البرلمان، وهو ما لا ترغب به بعض الأطراف، وعلى رأسها الثنائي الشيعي.

النائب علي حسن خليل، المعاون السياسي لبري، عبّر عن هذا التوجّه صراحةً، مؤكدًا أن "البعض يحاول تعديل القانون بما يلائم مصلحة فئة على حساب مصلحة المواطنين"، مضيفًا أن حركة أمل ستخوض "معركة سياسية للحفاظ على القانون الحالي دون تعديل".

تداعيات القرار على الانتخابات

عدم إدراج قانون انتخاب المغتربين على جدول الأعمال لا يعني فقط تعطيل مشاركتهم، بل يُنذر بإمكانية تطيير الانتخابات النيابية كاملةً. فالمهل الدستورية تضيق، والتجاذبات حول القانون تتصاعد، وسط غياب توافق سياسي واضح. وقد حذّرت مصادر نيابية من أن هذا المسار قد يؤدي إلى تمديد ضمني للمجلس النيابي، وهو ما يُعدّ انتكاسة ديمقراطية خطيرة.

في هذا السياق، اعتبرت صحيفة "نداء الوطن" أن الجلسة الحكومية الأخيرة كانت شبه حاسمة، وأن الرئيس جوزاف عون حاول إيجاد صيغة توافقية لا تُحرج بري ولا تُفرّط بحق المغتربين، إلا أن النتيجة كانت تأجيلًا جديدًا، ما يعكس حجم التعقيد في هذا الملف.

صلاحيات بري وتأثيرها

يملك رئيس مجلس النواب صلاحيات واسعة بموجب النظام الداخلي للمجلس، تتيح له التحكم بجدول الأعمال، وتحديد ما يُطرح وما يُجمّد. وقد استخدم بري هذه الصلاحيات مرارًا في ملفات حساسة، ما جعله يُتهم بأنه يحتكر القرار التشريعي ويُعطّل المؤسسات الدستورية.

وفي ملف المغتربين، استخدم بري هذه الصلاحيات لمنع تعديل القانون، رغم أن الحكومة كانت قد أحالت مشروع قانون معجّل مكرر لتوسيع حق الاقتراع، ما يعني أن القرار النهائي يبقى في يد رئيس المجلس، وليس في يد الهيئة العامة أو الكتل النيابية.

ردود الفعل السياسية

قوى المعارضة، وعلى رأسها "القوات اللبنانية" و"الكتائب"، اعتبرت أن موقف بري يُشكّل انقلابًا على الدستور، ويُفرّغ العملية الانتخابية من مضمونها. وقد دعت هذه القوى إلى تحرّك شعبي ودولي لضمان مشاركة المغتربين، معتبرة أن حرمانهم من التصويت الكامل يُناقض مبدأ المساواة بين المواطنين.

في المقابل، يصرّ الثنائي الشيعي على أن القانون الحالي يضمن تمثيلًا خاصًا للمغتربين، وأن أي تعديل يجب أن يُدرس بعناية، بعيدًا عن "المزايدات السياسية"، كما وصفها النائب حسن خليل.

البُعد الدستوري

من الناحية الدستورية، لا يوجد ما يمنع المغتربين من التصويت للنواب الـ128، بل إن المادة 7 من الدستور اللبناني تنصّ على أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية"، ما يعني أن تخصيص ستة مقاعد فقط يُعدّ تمييزًا غير مبرّر.

وقد أشار خبراء دستوريون إلى أن موقف بري يُخالف روح النظام البرلماني، ويُكرّس سلطة فردية داخل مؤسسة يفترض أن تكون جماعية وتشاركية.

السيناريوهات المحتملة

في ظل هذا التعقيد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  1. تثبيت القانون الحالي دون تعديل، ما يعني اقتصار تصويت المغتربين على ستة مقاعد فقط.
  2. تعديل القانون بما يسمح لهم بالتصويت للنواب الـ128، وهو ما يتطلب توافقًا سياسيًا غير متوفر حاليًا.
  3. تطيير الانتخابات برمّتها، عبر تعطيل المهل أو افتعال أزمة قانونية، ما يُفضي إلى تمديد المجلس النيابي.

ويبدو أن السيناريو الثالث هو الأكثر ترجيحًا في حال استمر التعطيل، خصوصًا مع تصاعد التوترات الإقليمية والداخلية، وغياب الإرادة السياسية لإجراء انتخابات شفافة وشاملة.

دور المجتمع المدني والمغتربين

في مواجهة هذا الواقع، يتحرّك المجتمع المدني اللبناني والمغتربون في الخارج للضغط من أجل ضمان مشاركتهم الكاملة. وقد أطلقت مجموعات ناشطة حملات إلكترونية وبيانات احتجاجية، مطالبة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بمراقبة العملية الانتخابية، والتدخل لضمان احترام حقوق الناخبين.

كما بدأت بعض الجاليات اللبنانية في أوروبا وأميركا بتنظيم لقاءات مع مسؤولين دوليين، لشرح خطورة تعطيل الانتخابات، وضرورة حماية الديمقراطية اللبنانية من الانهيار.

إن موقف نبيه بري بعدم إدراج قانون انتخاب المغتربين على جدول أعمال الجلسة التشريعية لا يُعدّ مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة سياسية ذات أبعاد خطيرة، تُهدّد حق شريحة واسعة من اللبنانيين في المشاركة، وتفتح الباب أمام تطيير الانتخابات النيابية برمّتها. وبين من يعتبره مناورة دستورية، ومن يراه انقلابًا على الديمقراطية، يبقى مصير الانتخابات معلّقًا على إرادة سياسية لا تزال غائبة، وسط تصاعد المخاوف من تمديد جديد يُكرّس الجمود ويُعمّق الأزمة.

 

* الإعلامي جورج ديب يكتب بانتظام في عدة صحف لبنانية ومنها صحيفة بيروت تايمز، حيث يقدّم تحليلات سياسية وتقارير ميدانية تعكس رؤيته الوطنية والإنسانية، ويُعدّ من الأصوات الصحفية اللبنانية التي تواكب الأحداث بتوازن وعمق.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment