حرب الاستنزاف الإسرائيلية: صفر خسائر ونصرٌ شامل

11/14/2025 - 15:46 PM

Atlantic home care

 

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

 

كيف تحوَّل وقف إطلاق النار إلى السلاح الأشد فاعلية ضد "حزب الله"، حملةٌ صامتة دمّرت رمح إيران الشمالي عبر غطاء قانوني وضربات دقيقة. إنها الحرب المثالية لإسرائيل.

تخوض إسرائيل حرب استنزاف صامتة لا يمكن إيقافها ضد "حزب الله" منذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، سحقت خلالها ميليشيا إيران من دون أن تخسر جندياً واحداً. فقد قامت إسرائيل بأكثر من ألف طلعة جوية دقيقة دمّرت خلالها 335 موقعاً عسكرياً وقتلت أكثر من 358 مقاتلاً من "حزب الله" خلال أقل من عام، فيما بقيت الخسائر البشرية الإسرائيلية صفراً. هذه ليست حرباً، بل هيمنة كاملة.
"حزب الله"، الذي كان يوماً رمح إيران الُمخيف، قد انكسر؛ وحدة "الرضوان" لديه تحوّلت إلى أشباح، وترسانته الصاروخية تقلصت إلى النصف، وقادته إمّا مطاردون أو قتلوا. رداً على كل ذلك، لم يطلق "حزب الله" سوى أقل من عشر قذائف هاون باهتة - ليس من باب ضبط النفس، بل من باب الشلل. وتحوّل وقف إطلاق النار الأميركي- الفرنسي إلى سلاح إسرائيل الأمثل: كل ضربة تُقدَّم على أنها "دفاع عن النفس"، غير قابلة للمساءلة قانونياً، ويتم تجاهلها عالمياً.

هل سيُسجَّل هذا الواقع في التاريخ كحرب؟ كلا. بل سيُذكر كحملة صامتة قضت على الجناح الشمالي لإمبراطورية ميليشيات إيران، ضربة تلو الأخرى: "على إسرائيل أن تواصل القصّ، فالعشب لن ينمو مجدداً"، حسب تعبير مسؤول أميركي.

ممر إيران الجديد: هل يُعيد "حزب الله" تسليح نفسه؟
مع قطع الجسر البرّي السوري، تُهرِّب إيران الآن الأسلحة لـ "حزب الله" عبر الأنبار العراقية بقوافل تحرسها قوات "الحشد الشعبي"(ميليشيات إيرانية في العراق)، تنطلق من مدينة القائم الحدودية بين العراق وسوريا، وتتجه إلى البقاع اللبناني. إلا أن هذا الممرّ الحيويّ ضعيفٌ جداً: فالقوات الأميركية تراقب كل حركة، والسلطات السورية تُصادر شحنات أسلحة أسبوعياً، وإسرائيل تُنفّذ ما يقارب المئة غارة شهرياً هناك.
إن نجح تهريب الأسلحة عبر هذا الممر، قد يستعيد "حزب الله" حوالي نصف قوته بحلول عام 2028. وإن فشل الممر، فستبقى قوة هذه الميليشيا الإيرانية مجمّدة عند حدود 15% من ترسانتها الأساسية (التي كان يملكها الحزب قبل 8 أكتوبر 2023). هل على إسرائيل أن تتوقف عن ضرب ميليشيا إيران في لبنان؟ "لا، عليها الضرب بلا هوادة"، يؤكد مسؤول أميركي: "فكل طائرة مسيّرة تقتل قائداًً من "وحدة الرضوان"، وكل موقع صواريخ يُدمَّر، يشتري سنوات من السلام. هذا ليس احتلالاً، بل وقاية. إن تُرك (حزب الله) يُسلّح نفسه بحرّية، فسيأتي السابع من أكتوبر/تشرين الأول القادم حاملًا 150 ألف صاروخ دقيق". على حد تعبير مسؤول أميركي.
معركة قطع ممر الأنبار- البقاع لا تتعلق بمستقبل "حزب الله" فحسب، بل بمدى قدرة إيران على إعادة بناء جبهة شمالية أصلاً. فالمرحلة المقبلة في المنطقة تُقاس بتوازن القوى الإقليمية لا بعدد القوافل.

رفض "حزب الله" نزع السلاح: نحو مقاربة "القرار 1701 بلاس"؟
منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تضعف سلطة الدولة اللبنانية يومياً في مواجهة هيمنة "حزب الله" المتنامية داخلياً لحماية النظام الذي بناه لمصلحة إيران. فقد رفضت هذه الميليشيا مؤخراً حتى مناقشة مسألة نزع سلاحها، معلنةً في رسالة مفتوحة أن "القرار المتسرع للحكومة حول حصرية السلاح هو خطيئة.. واحتكار الدولة للقوة لا يُناقش استجابةً لمطالب خارجية أو ابتزاز إسرائيلي".
هذا الموقف يكشف عن ولاء "حزب الله" الحقيقي، وهو الطاعة الكاملة لسيّده في طهران، لا لدولة لبنانية ذات سيادة. وهذا يُعتبر خيانةً في نظر المواطنين اللبنانيين، وهديةً للمتطرف بنيامين نتنياهو، الحليف الموضوعي لميليشيا إيران في لبنان. فـ"حزب الله" يفضل، على ما يبدو، أن يضحي بشبابه وبالجنوب اللبناني أمام الجيش الإسرائيلي في نزاع خسره أصلاً، على أن يترك الدولة اللبنانية تلملم جراحه بشرف.
لا يزال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 يُشكّل الإطار الأساسي لما بعد حرب عام 2006، إلا أن التصعيد الأخير دفع نحو التفكير بنهج جديد يُعرف بـ "1701 المُكمّل" (أو بلاس). ومن شأن هذا التحديث أن يُوسّع نطاق القرار الدولي ليشمل آليات إنفاذ أقوى، وتحديث بنود نزع السلاح، وتشديد مراقبة الخروقات الحدودية.
يجادل المدافعون عن فكرة تعديل القرار الدولي أن "حزب الله" يستطيع العمل دون عقاب لأن القرار الحالي بلا أنياب. وأنه من شأن رفع مستوى التفويض إلى الفصل السابع أن يمنح الأمم المتحدة السلطة القانونية لإعلان عزمها العالمي وفرض الامتثال على "حزب الله"، حتى بالقوة العسكرية عند الحاجة. إلا أن هذا النهج محفوف بالمخاطر، إذ قد يُعارضه أعضاء مهمون في مجلس الأمن، وقد يُفاقم الحساسيات الإقليمية. وتُسلط هذه الحجة الضوء على معضلة أكبر حول كيفية حماية أمن الحدود بين لبنان وإسرائيل عبر القانون الدولي دون إثارة أعمال عدائية أوسع نطاقاً.
على السلطات اللبنانية المترددة أمام "حزب الله" أن تشعر بالقلق من طرح فكرة "قرار مجلس الأمن الدولي 1701+". كما ينبغي أن نتذكر بأن اليونيفيل لن تكون رمزية بحلول عام 2027، بل قوة إنفاذ بخوذ زرقاء.
دخلت حرب الظل الإسرائيلية مرحلة العدّ التنازلي مع اقتراب موعد بحث مهمة اليونيفيل في حزيران المُقبل. والسؤال المطروح هو: هل تكفي حرب الاستنزاف وحدها لوقف تسلّح "حزب الله"، أم أن المواجهة المباشرة بلا مظلة دولية ستكون عنوان المرحلة التالية؟

المال لا السلاح هو مصدر قوة "حزب الله" الحقيقية
زار مسؤولون أميركيون كبار بيروت مؤخراً، في وفد مشترك من مجلس الأمن القومي ووزارة الخزانة. وكانت رسالتهم واضحة: أوقفوا تدفق الأموال من إيران إلى "حزب الله"، والتي وصلت إلى نحو مليار دولار في العام الجاري، والتي تصل للحزب عبر شركات الصرافة، والنقد، والعملات المشفرة، و"القرض الحسن". وشددوا الرقابة على الموانئ والمطار، وحاكموا المتهرّبين من العقوبات، وأغلقوا مكاتب الصرافة غير المرخصة. وإلى جانب المال، وادعموا الجيش اللبناني للسيطرة على الوضع.
الخلاصة: وجَّهت واشنطن إنذاراً نهائياً: فكّكوا شريان الحياة المالي لـ "حزب الله" الآن، وإلا ستواجهون عقوبات متصاعدة وانعدام أي دعم أميركي لتعافي لبنان. فهذه ليست مسألة جانبية، بل هي جزء أساسي من سياسة "الضغط الأقصى" الأميركية على إيران.

قبل شهرين كتبتُ هنا أن "نزع سلاح "حزب الله" من دون تفكيك إمبراطوريته المالية هو ضرب من العبث". واليوم يتأكد هذا الطرح أكثر، فلا يمكن للبنان أن ينجح في نزع سلاح "حزب الله" دون تفكيك الإمبراطورية المالية التي تُسلحه وتحميه وتدعمه. ولا يمكن تفكيك تلك الإمبراطورية دون حملة دولية مستدامة بقيادة الولايات المتحدة، لا تُعامِل "حزب الله" كمجرد ميليشيا تابعة لإيران فحسب، بل كونه "تكتل إرهابي إجرامي عالمي". على حد تعبير مسؤول أميركي سابق.
هذه هي السياسة الأميركية قيد التنفيذ الآن، والسؤال الوحيد هو: هل تستوعب السلطات اللبنانية ما سمعته وتتحرك قبل فوات الأوان؟
إن الجبهة المالية هي ساحة المعركة النهائية ضد "حزب الله". فقادته يُضربون يومياً، وكذلك سلاحه. ولكن ما لم تُفكك إمبراطورية "حزب الله" المالية المحمية من رؤوس الفساد في لبنان، فلن تنتهي دورة إعادة التسلح أبداً، ويترسخ لبنان كـ "دولة فاشلة".

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment