أنهت قمة شرم الشيخ الحرب في غزة على الورق، لكن من دون مواجهة نتنياهو وحماس وإيران، يبقى وقف إطلاق النار مهدداً بالانهيار.
شكّلت قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر/تشرين الأول الجاري منعطفاً دراماتيكياً في حرب غزة. فقد تم تبادل الأسرى، وانسحبت القوات الإسرائيلية جزئياً، واجتمع قادة دوليون برعاية أميركية، ثم أعلن دونالد ترامب انتهاء الصراع. كانت الصورة مبهرة بالنسبة لمنطقة معتادة على دورات عنف لا تنتهي. لكن الاختبار الحقيقي ليس وقف إطلاق النار بحد ذاته؛ بل مدى قدرة هذا التوقف الهش على التطور إلى سلام دائم.
من أوسلو إلى شرم الشيخ: إنهاء دائرة "العملية بلا نتائج"
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، دارت الدبلوماسية الأميركية في حلقة مفرغة: أوسلو، كامب ديفيد، أنابوليس، ودبلوماسية جان كيري المكوكية. وكلها أنتجت أُطراً واتفاقيات، لكن أياً منها لم يحقق دولة فلسطينية أو أمناً دائماً. أما ترامب فاعتمد نهجاً مختلفاً يقوم على الضغط الشخصي، والتركيز بلا هوادة على تحقيق نتائج ملموسة. بتجاوزه البيروقراطيات ودفعه للمفاوضات المباشرة بين القادة (بما فيها السماح لصهره الاجتماع بمسؤول حمساوي)، كسر ترامب دائرة "العملية بلا تقدم" وكانت قمة شرم الشيخ ذروة هذا الأسلوب. والآن تبدأ المرحلة الأصعب وهي تحويل الصورة إلى نتيجة واقعية.
المقاعد الثلاثة الفارغة: نتنياهو، حماس، وإيران
إن تحقيق السلام أصعب من الاعلان عنه؛ فقد ألقى غياب بنيامين نتنياهو، وحماس، وإيران عن قمة شرم الشيخ بظلاله الثقيلة على المشهد. فكلٌّ من هؤلاء الثلاثة عارض اتفاقات أوسلو؛ وكلٌّ منهم لا يزال يُعارض قيام الدولة الفلسطينية حتى اليوم. ما لم يواجِه ترامب هذه الأطراف مباشرةً وبشكلٍ منهجي، سيظل وقف إطلاق النار هشاً وقد ينتهي قريباً.
معضلة نتنياهو
عارض نتنياهو إقامة دولة فلسطينية منذ منتصف التسعينيات، واستفاد سياسياً من العداء لحماس التي شاركته في ضرب السلطة الفلسطينية ومسارات السلام، وتبادل "العدوّّان" المنافع منذ الانتخابات الإسرائيلية عام 1996، حين حملت "أحزمة حماس الناسفة" نتنياهو إلى رئاسة الوزراء بعد أن أسقط شمعون بيريز في أول انتخابات تلت مقتل إسحاق رابين. واليوم، ولكي يتقدم مشروع ترامب، يجب على نتنياهو الالتزام بخطة الرئيس الأميركي أو التنحي. وسيكون نفوذ البيت الأبيض وثقل الرئاسة الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري حاسماً في فرض هذا الخيار.
قبضة حماس وتحذير ماكرون
رفضت حماس اتفاقات أوسلو، وترفض اليوم إطار عمل شرم الشيخ. ورغم خسائرها الميدانية، لا تزال حماس متحصنة في غزة بآلاف المقاتلين والأنفاق والأسلحة. وتتابع قتل الفلسطينيين. وقد دعا قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر حماس إلى وقف العنف في غزة ونزع السلاح فوراً، واصفاً ذلك بأنه "فرصة تاريخية للسلام"، ومشدداً على التزام حماس بخطة ترامب بما في ذلك وقف إطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فحذّر بعد قمة شرم الشيخ قائلاً: "ستشهد الأسابيع والأشهر المقبلة هجمات إرهابية وزعزعة للاستقرار… فلا يمكن تفكيك تنظيم يضم آلاف المقاتلين والأنفاق والأسلحة بين ليلة وضحاها".
إن دعوة الرئيس الفرنسي إلى رقابة دولية صارمة أمرٌ ضروري. وعلى الوسطاء في مصر وتركيا وقطر أن يضغطوا على حماس لنزع سلاحها وإنهاء قبضتها على المدنيين، وإلا فإن غزة مهددة بالعودة إلى المقاومة المسلحة.
ظل إيران المُخيِّم على المنطقة
رفضت طهران المشاركة في قمة السلام في شرم الشيخ، ما عكس عزلتها لكنه أكد قدرتها التخريبية. وسخر المسؤولون الإيرانيون من وقف إطلاق النار في غزة، بينما ردّدت ميليشيات طهران من "حزب الله" والحوثيون الشكوك نفسها؛ حتى أن الحوثيين حذّروا من أنهم سيواصلون "دعم" الفلسطينيين إذا لم تلتزم إسرائيل.
ورغم تآكل "وحدة الساحات" التي تتباهى بها إيران، فإن استمرار وقف النار في غزة ومسيرة السلام رهن بقيام ضغط مُنسّق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر وتركيا لكبح شبكة ميليشيات إيران.
دروس من سقوط أوسلو: تغيير هيكلي أو فشل متكرر
درس أوسلو قاسٍ وواضح. فقد عارض كلٌّ من حماس ونتنياهو الاتفاقية، وكانت مقاومتهما المشتركة لها أحد أسباب سقوط مشروع الدولة الفلسطينية. وقد يتكرر السيناريو اليوم ما لم تتغير البُنى السياسية جذرياً، لذلك يجب:
• استبدال حماس ونقل السلطة في غزة، في أقرب وقت ممكن، من قبضة حماس إلى سلطة فلسطينية قادرة على إدارة الضفة وغزة معاً. ومع ذلك، فإن إصلاح السلطة الفلسطينية أمرٌ إلزامي وعاجل.
• إعادة تموضع السياسة الإسرائيلية بحيث يتجه نتنياهو نحو ائتلاف وسطي مستعد لتنفيذ إطار شرم الشيخ، أو أن يستبدله الناخبون الإسرائيليون عبر انتخابات عاجلة.
• احتواء النفوذ الإيراني الخبيث عبر الحفاظ على ضغط دولي منسق ومتواصل يقلّص قدرة طهران على إعادة تسليح ميليشياتها خاصة في لبنان وغزة. والاستمرار في ضبط ميليشيات إيران في العراق.
بدون هذه التحولات الجذرية، فإن وقف إطلاق النار الحالي هو ينهار غداً.
المرحلة الأصعب: التنفيذ، ونزع السلاح، وإعادة بناء الشرعية
كان وقف إطلاق النار الجزء الأسهل من عملية السلام المنشود. أما المرحلة الثانية، والتي تتضمن تنفيذ الاتفاق، ونزع السلاح، وإعادة الهيكلة السياسية، فستحدد ما إذا كان اتفاق شرم الشيخ سيصبح مشروعاً فاشلاً آخر أم أساساً لشرق أوسط جديد.
يتطلب تنفيذ الاتفاق مراقبة دولية، والتزام يمكن التحقق منه، وعواقب سريعة على الانتهاكات. ولنزع السلاح من غزة يجب تأمين خطوات متسلسلة، وضمانات خارجية، ومسارات واضحة ومتناسقة.
أما الجزء الأهم فهو بناء الشرعية عبر إعادة تشكيل الحكم الفلسطيني، وتأمين إرادة سياسية إسرائيلية موثوقة، والتزام إقليمي، بما في ذلك فرض ضوابط صارمة على ميليشيات إيران.
لقد كسر ترامب دائرة الفشل الدبلوماسي الأميركي المُزمِن؛ بالضغط، والكاريزما، والبراغماتية حقق ترامب وقف إطلاق النار. وعليه الآن أن يثبت أن هذه الأدوات قادرة على صناعة السلام، لا مجرد شراء الوقت فقط. وإذا نجح الرئيس الأميركي في ذلك، ستكون المكافأة أكبر من مجرد الفوز بجائزة نوبل للسلام. سيكون شرق أوسط يخرج أخيراً من دوامة العنف إلى مستقبل قابل للحياة.











10/23/2025 - 12:14 PM





Comments