المطران اغناطيوس مالويان
الأب فادي سميا *
في زمنٍ يعيد فيه الروح القدس رسم خريطة الكنيسة بالدموع والرجاء، أعلَنَ الفاتيكان المطران اغناطيوس مالويان قديسًا على مذبح الكنيسة الجامعة.
لكن هذا الحدث، في عمقه، ليس تكريمًا لشهيدٍ فقط، بل نبوءة جديدة تُعلن أن دماء المسيحيين — كاثوليكًا وأرثوذوكسًا — امتزجت في تربةٍ واحدة، لتشهد أن الكنيسة، رغم جراحها، تبقى جسدًا واحدًا للمسيح.
وُلِد القديس اغناطيوس مالويان في ماردين، المدينة المعلّقة على تخوم السماء والأرض، جنوب شرق تركيا، حيث التقت حضاراتٌ وصلواتٌ ودموعٌ منذ قرون.
تلك الأرض التي عرفت دير الزعفران، أقدم مقرٍّ بطريركي للسريان الأرثوذكس، وموئل النساك الذين حرسوا نور الإيمان يومًا بعد يوم، صارت في بدايات القرن العشرين مسرحًا لليلٍ طويلٍ من الألم، حين تفجّرت المذابح ضد الأرمن والسريان والكلدان.
هناك، في ماردين، لم تُسأل الطوائف عن مذاهبها، بل سُئلت النفوس: «أتؤمن بالمسيح؟» وحين أجابت «نعم»، توحّدت الدماء قبل أن تتوحّد العقائد.
في قلب تلك المذبحة، وقف المطران اغناطيوس مالويان راعيًا لا يساوم، مؤمنًا لا يهرب، وصوتًا يقول في وجه الموت: أنا كاهن المسيح، وُلدت مسيحيًا وسأموت مسيحيًا.
اقتيد إلى الإعدام مع مئات من أبنائه، حاملاً صليبه بيدين مقيدتين وحرّتين في آنٍ واحد. وفي تلك اللحظة التي ظنّ فيها الجلادون أنهم يُطفئون الإيمان، انسكب نورٌ جديد في سماء الكنيسة.
نورٌ جعل من كلمات ترتليانوس، أحد آباء الكنيسة الأوائل، حقيقة متجسّدة: دم الشهداء هو بذار الحياة.
دمٌ امتزج فيه الأرمني الكاثوليكي، والسرياني الأرثوذكسي، والآشوري و الكلداني، فإن الروح القدس أراد أن يقول للعالم: "لقد فشلت المذابح في تمزيق جسد المسيح السريّ، لأن جسدي و دمي واحدٌ فيهم جميعًا".
واليوم، بعدما اعلن البابا لاوون الرابع عشر قداسته رسميًا، يستعدّ للذهاب إلى تركيا، ليلتقي البطريرك المسكوني برثلماوس الأول في القسطنطينية. لقاءٌ هو علامة روحية في التاريخ، فإنّ صوت مالويان من على مذابح الكنيسة الجامعة يُعلن أنّ الوحدة هي توبة جماعية أمام دماء الشهداء.
إنّ هذه القداسة ليست شأنًا أرمنيًا فقط، بل صرخة لبنانية أيضًا من حيث تنشّأ مالويان في دير بزمار.
ففي لبنان، تتجاور المذاهب وتتشابك الصلوات وتُغنّي الأجراس بلغاتٍ مختلفة، في لبنان يُدرك المؤمنون الحقيقيون أن مصير الكنائس واحد، وأنّ الوحدة ليست شعارًا بل عهدٌ في الدم مُتحدٌ بدم يسوع فوق المذابح.
لبنان، الذي حمل عبر تاريخه رسالة الكنيسة المارونية في الحفاظ على الإيمان والهوية، يشهد اليوم أنّ الكنيسة الجامعة — كاثوليكيةً كانت أم أرثوذكسية — تنبض بروحٍ واحدة، تسير من ماردين إلى بيروت، ومن دير الزعفران إلى بزمار و إلى الفاتيكان، ومن الصليب إلى القيامة.
اغناطيوس مالويان لم يمت في التاريخ، بل قام في الوجدان المسيحي المشرقي. هو قديس الدماء المشتركة، ورسول الوحدة، وصوت الروح في هذا الزمان. قداسته إعلان أنّ الكنيسة تُبنى بالشهادة. و تتوحّد بالمحبة التي تُبذل حتى الدم.
وهكذا، من رماد المجازر ودموع الشرق، يولد الرجاء في كل لحظة. ما حدث في ماردين لم يكن نهاية، بل بداية القيامة التي تتجدد في كل زمانٍ ومكانٍ حيث تمتزج الدماء بدماء يسوع في الذبيحة الإلهية و تتحد الأجساد بجسد يسوع المطعون حبّاً فينا بإنتظار مجيء الربّ الثاني حيث «تجثو باسم يسوع كلُّ ركبةٍ في السموات وفي الأرض وتحت الأرض، ويُعلن كلُّ لسانٍ أن يسوع المسيح هو الربُّ، تمجيدًا لله الآب.» (فيليبي ٢ : ١٠ - ١١ ).
* كاهن ماروني لبناني












10/20/2025 - 08:24 AM





Comments