الحدّ الأدنى للكرامة… حين يفقد العمل قيمته!

10/20/2025 - 07:52 AM

Atlantic home care

 

 

بقلم: لبنى عويضة...

 

تتصاعد الأزمة في لبنان وتتفاقم بفعل التضخم المستمر وسوء تقدير الحدّ الأدنى للأجور، وما يترتب على المواطن من تآكل في قدرته الشرائية.

أصبح الحديث عن الحدّ الأدنى للأجور في لبنان شحيحًا من العمق ومن الفاعلية؛ فالرقم على الورق لا يعكس الواقع المعيشي.

حتى الزيادة الأخيرة التي يُشار إليها، أي ما يساوي 28 مليون ليرة كحدّ أدنى، لا تشتري سوى فتات الحياة في سوقٍ استبدل فيه الاستقرار بالرهان. بين فاتورة الكهرباء والماء والاتصالات والاستشفاء والطعام، يجد المواطن نفسه مثقلاً بالديون ومكبلًا في محاولة لإعالة عائلة مكونة من أربعة أفراد.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه حتى لو رفع الحدّ الأدنى إلى ما يعادل 500 دولار، فلن يكون كافيًا للعيش بكرامة، إذ لا سلطة للمرسوم على الجنون في الأسعار وفوضى السوق، رغم استقرار سعر صرف الدولار منذ سنوات عدة. يمكن تشبيه هذه الزيادة بـ”جرعة ماء في صيف لا يرحم”، تسكت العطش للحظة قبل أن تعود أقسى.

لذلك، بات من الضروري الانتقال من الجدل الرقمي الضيق إلى إطارٍ أوسع، يتمحور حول الحدّ الأدنى للكرامة، أي ما يضمن للفرد والأسرة حقّ البقاء بكرامة لا مجرد النجاة.

على مدار سنوات، يتحرك الحدّ الأدنى للأجور كما تتحرك إبرة ميزان مكسور: إلى الأعلى على الورق، وإلى الأسفل في الواقع.

في حزيران 2025، حدّدته الدولة بـ28 مليون ليرة — رقم يبدو كبيرًا في العملة المحلية، لكنه لا يشتري سوى فتات الحياة. فأسرة لبنانية مؤلفة من أربعة أفراد تحتاج إلى ما لا يقل عن 550 دولارًا لتعيش بأدنى مستويات الكفاية، في حين أنّ معظم الموظفين يتقاضون أقل من ذلك بكثير.

النتيجة؟ مجتمع يعمل ليبقى حيًّا، لا ليحيا.

كل النقاش الدائر حول “الحدّ الأدنى للأجور” يبدو كمن يُرمّم جدارًا منهارًا بطلاء جديد.

المشكلة لم تعد في الأرقام، بل في الفكرة ذاتها: هل ما زال للأجر معنى حين يفقد العمل قيمته؟ كيف يمكن للعامل أن يعيش بكرامة في اقتصاد لا يعترف بكرامة أحد؟

الحدّ الأدنى الحقيقي الذي يجب أن نطالب به اليوم لا يقتصر على الأجور فقط، بل يرتبط بالعيش بكرامة، بحيث لا يضطر الأب إلى الاختيار بين دواء ابنه وفاتورة الكهرباء، ولا تتحوّل الأم إلى خبيرة حسابات كل مساء لتوزّع القليل على الكثير، ولا تختزل حياة الإنسان بمعادلة “الحدّ الأدنى” وكأنها تنازل جماعي عن حقه في البقاء والكرامة.

الاقتصاد اللبناني اليوم لا يُقاس بالناتج المحلي أو ميزان المدفوعات، بل بمستوى الإهانة الذي بات الناس قادرين على تحمّله.

حين يصبح الأجر مجرّد تعويض رمزي عن البقاء، يفقد العمل جوهره، وتفقد الدولة شرعيتها كضامن للحدّ الأدنى من الحياة.

الناس لا تطلب الرفاه، بل عدالة الأجر، وأمان الغد، واحترام تعبهم.

إذن، الحدّ الأدنى للكرامة لا يبدأ بالمرسوم، بل بالرؤية التي تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والدولة، بين الإنتاج والعيش، بين الجهد والمعنى. فقد آن الأوان لإعادة تعريف ما يعنيه “العمل” في بلدٍ صار فيه البقاء هو الوظيفة الوحيدة المتاحة.

 

نشر ايضاً في جريدة الرقيب الالكترونية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment