ربى شلهوب أبو فاضل
تواجه النساء في لبنان تحديات كبيرة بين مسؤوليات الأمومة ومتطلبات العمل، إذ تجد الأم نفسها في قلب معركة يومية متعددة الجبهات، تحاول من خلالها الموازنة بين واجباتها الأسرية ومتطلبات عملها، لكن وسط الأزمات التي تعصف بالبلاد، من ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل، وانعدام الدعم المؤسسي، يصبح التوفيق بين العمل والأمومة مهمة شبه مستحيلة، وتصبح المرأة اللبنانية – ولا سيما الأم – من أبرز ضحايا الانهيار الذي يصيب كل جوانب الحياة. إلى جانب رغبة المرأة اللبنانية في الحفاظ على عملها وتطوير نفسها في مهنتها، دفعتها الأزمة الاقتصادية الحادة، للدخول في سوق العمل، كي تكون عوناً لزوجها في تأمين احتياجات الأسرة ومواجهة التحديات المعيشية المتزايدة.
في خضم هذا الواقع القاسي، تتجلى معاناة الأمهات العاملات في قصص يومية، تعكس حجم التحدي، رهام تبلغ من العمر 35 عاماً وهي أم لأربعة أطفال، تعمل معلمة في مدرسة خاصة منذ أكثر من عشر سنوات، نهارها يبدأ قبل السادسة صباحا، تجهز الفطور لأطفالها وترافقهم إلى المدرسة قبل أن تتوجه إلى عملها، وتقول بنبرة تعب تخفيها بابتسامة "كنت أحب مهنتي كثيرا، لكنها تحولت إلى وسيلة للبقاء لا أكثر، فراتب زوجي لم يعد يكفينا أسبوعين، وخسرنا مدخراتنا في البنوك، ولا خيار أمامي إلا العمل لنستمر بكرامة".
تعيش رهام في دوامة من الإرهاق الجسدي والنفسي، فبعد يوم طويل في المدرسة، تعود إلى المنزل لتكمل وردية ثانية لا تقل مشقة عن الأولى، فمن المطبخ إلى الواجبات المدرسية، وتنظيف البيت، "أحيانا لا أجد وقتا لأجلس مع نفسي، حتى حين أكون متعبة، لا أستطيع أن أرتاح، لأن هناك دائما ما ينتظرني في المنزل ، أشعر أنني أعمل بلا توقف". وتعبر عن إحساسها الدائم بالذنب، لأنها لا تمنح أبناءها الوقت الكافي "أشعر أحيانا أنني أم هزيلة أمام كل المسؤوليات، لكنني أستمد قوتي من ابتسامة أطفالي ومن شعورهم بالأمان"، مضيفة "عملي ليس فقط مصدر دخل، بل هو جزء من هويتي، وأنا أحاول أن أوازن بين الاثنين رغم الصعوبات".
واقع هام ليس استثناء، بل صورة مصغرة لمعاناة آلاف الأمهات العاملات في لبنان، اللواتي يواجهن أعباء متراكمة في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق. علماء الاجتماع يؤكدون أن الأم العاملة في لبنان "تركت وحيدة في مواجهة أزمة مركبة، فالنظام الاقتصادي لا يوفر لها حماية أو مرونة، والمجتمع لا يزال ينظر إليها كالمسؤولة الأولى عن تربية الأطفال ورعاية الأسرة، ما يضاعف الضغط النفسي عليها. والكثير من الأمهات اليوم يجدن أنفسهن مجبرات على العمل لسد احتياجات الأسرة بعد تراجع مداخيل الأزواج، ومع ذلك لا يحصلن على دعم فعلي من الدولة أو المؤسسات الخاصة".
مصدر قانوني يشير إلى أن "رغم ما تتغنى به القوانين اللبنانية بالمساواة، تبقى الأم العاملة ضحية ثغر تشريعية وبيروقراطية، فقلة من المؤسسات تلتزم بحقوق العاملات، ومعظم الأمهات يواجهن خطر الفصل أو تخفيض الدوام فور إنجابهن، ويغيب دور الدولة في مراقبة تطبيق القوانين، أو تقديم حوافز للمؤسسات التي تراعي ظروف الأمهات".
في ظل هذا الواقع، تتبدد الأحلام الصغيرة بين متطلبات الحياة القاسية، وغياب السياسات الداعمة للأم العاملة، لتبقى الحلول فردية ومؤقتة، تعتمد على صبر النساء وقدرتهن على التحمل. فكثيرات يتمسكن بالأمل، يقفن كل صباح في مواجهة واقع قاس، يحملن على أكتافهن أعباء بيت واقتصاد منهار، ويمضين في طريقٍ طويل من الكفاح والصبر، في انتظار غد أكثر عدلا ورحمة.
ولعل أولى الخطوات نحو هذا الغد تبدأ بإقرار سياسات تحمي الأم العاملة، وتمنحها حقها الكامل في العمل الكريم، من خلال دعم الحضانات العامة والخاصة، وتمديد إجازات الأمومة وإقرار إجازة الأبوة، وتأمين نظام ضمان اجتماعي فعال، يشمل الرعاية الصحية والنفسية. كما ينبغي للمؤسسات أن تعتمد نماذج عمل مرنة تراعي ظروف الأمهات، لأن تمكين المرأة ليس شعارا فحسب، بل شرط أساسي لنهضة المجتمع واستقراره.
الأم العاملة في لبنان ليست مجرد موظفة أو ربة منزل، بل هي نموذج حي لصمود المرأة اللبنانية في وجه أزمات متراكمة ومؤلمة، هي القلب النابض للأسرة، والركيزة الأساسية في المجتمع، إنها رمز للمرأة اللبنانية التي تصمد رغم الانهيار، وتثبت أن القوة الحقيقية لا تقاس بالسلطة أو المال، بل بالقدرة على الاستمرار والعطاء والأمل، حتى في أحلك الظروف.












10/19/2025 - 16:29 PM





Comments