بقلم الأب البر حبيب عساف
يشهد عالم اليوم تحوّلات استراتيجية متسارعة، حيث يبرز الصراع بين الولايات المتحدة والصين كعامل مؤثر على استقرار وقرارات الدول الصغيرة، ولبنان ليس استثناءً. على الرغم من صغر حجمه الجغرافي والسياسي، فإنه يتموضع عند نقطة حساسة في الشرق الأوسط، حيث يلتقي النفوذ الإقليمي بالدولي، ويصبح أي قرار اقتصادي أو سياسي عرضة لتداعيات خارجية مباشرة.
يطرح هذا الصراع سؤالًا جوهريًا وهو: كيف يمكن للبنان أن يحمي سيادته ويستثمر موقعه الاستراتيجي دون الانجرار إلى تحالفات قد تهدد استقلال قراره الوطني وسيادته؟
إن التنافس الأميركي–الصيني الاقتصادي والسياسي يلعب دورًا محوريًا. فالصين، ومن خلال مشروع «الحزام والطريق»، تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في شرق المتوسط، مستثمرة في البنى التحتية والمرافئ والطاقة. ويحتل موقع لبنان، خصوصًا ميناء بيروت، محورًا أساسيًا يجعله محطة محتملة ضمن هذه الشبكة التجارية.
في المقابل، تراقب الولايات المتحدة هذا التوسع بحذر شديد، معتبرة لبنان جزءًا من مجال نفوذها الاستراتيجي في المنطقة. وأي مشروع صيني كبير يرتبط بالقيود الأمنية والسياسية الأميركية، ما يجعل لبنان محكومًا بتوازن دقيق بين فرص التنمية والمخاطر السياسية.
ويترتب على هذا الصراع انعكاسات مباشرة على لبنان: فالتنافس الاقتصادي قد يوفّر فرصًا استثمارية، لكنه في الوقت نفسه يزيد التعقيدات الدبلوماسية ويستدعي حذرًا في صياغة السياسات الوطنية، خصوصًا لجهة القيود الداخلية على القرار الاستراتيجي.
فلبنان يواجه قيودًا بنيوية تجعل من الصعب تبنّي سياسة مستقلة وموحّدة، لأن التركيبة الطائفية والسياسية تعيق التوافق على أي مشروع استراتيجي كبير، إذ يرى كل طرف في تحالف محدّد حماية لموقعه السياسي والتاريخي والثقافي. كما يشكّل وجود سلاح غير خاضع للسلطة الرسمية تحديًا إضافيًا، إذ إن أي استثمار كبير يرتبط بالملف الأمني الداخلي والاستقرار، ويثير مخاوف الجهات الدولية.
إن ضعف الإدارة والشفافية في المؤسسات اللبنانية يزيد من المخاطر الاستثمارية، ما يضعف قدرة الدولة على استقطاب التمويل الخارجي وتنفيذ مشاريع تنموية مستدامة.
أمام هذا المشهد المعقّد، تبرز الحاجة إلى صياغة مقاربة جديدة تحفظ مصالح لبنان دون أن تقيده بالمحاور المتنازعة، وتمنحه القدرة على إدارة انفتاحه الاقتصادي دون التفريط بسيادته الوطنية.
فهل نجد في الحياد الاقتصادي خيارًا عمليًا؟ يمكن للبنان أن يتحوّل من بلد رهينة للصراعات الدولية إلى جسر اقتصادي ودبلوماسي إذا اعتمد سياسة حياد اقتصادي عملي - رغم إدراكنا لخطر الطائفية الهدّام سياسياً وإقتصادياِ وإجتماعياً - تقوم هذه السياسة على التعاون مع جميع الأطراف اقتصاديًا دون الانخراط في تحالفات عسكرية أو سياسية.
ويتطلب هذا النهج تأسيس مؤسسات رقابية شفافة، وعقودًا واضحة تحمي السيادة الوطنية، مع إشراك مؤسسات دولية مثل البنك الدولي أو الأمم المتحدة أو أية دولة حيادية ذات نفوذ، لمراقبة المشاريع الكبرى وضمان نزاهتها. علاوة على ذلك، يمكن الاستفادة من الوساطات الدولية لتفعيل مشاريع صينية تحت إشراف متعدد الأطراف، ما يقلل المخاطر السياسية ويزيد ثقة المستثمرين. ويرتبط هذا بالضرورة بإصلاح داخلي عاجل، يشمل مكافحة الفساد، تحسين إجراءات العطاء، وتعزيز الشفافية في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والمرافئ.
ونجد الرسالة إلى القارئ اللبناني كالتالي: فلبنان لا يحتاج إلى الانحياز إلى محور محدّد بين الولايات المتحدة والصين، بل يحتاج إلى اختيار سيادته واستقلال قراره الوطني. فالسياسة الاقتصادية المتوازنة، والانفتاح التدريجي المدروس، والحياد الاقتصادي المدعوم بإصلاحات مؤسسية ورقابة دولية، تشكّل المفاتيح التي – ربما – تمكّن لبنان من الاستفادة من التنافس الدولي بدل أن يكون ضحيته.
فلبنان الذي وُلد رسالة، لا يُكتب له البقاء إلا إذا استعاد دوره كجسرٍ بين الشرق والغرب، لا كساحةٍ بينهما. وبهذه الطريقة، يمكن للبنان أن يحوّل موقعه الجغرافي الفريد إلى أداة قوة ودور فاعل في المنطقة، مع بناء أسس لاستقرار اقتصادي وسياسي مستدام يضمن مصالح شعبه على المدى الطويل.
* الأب الدكتور البرّ عساف هو شخصية روحية وفكرية لبنانية بارزة، يجمع بين العمل الكنسي، الأكاديمي، والاجتماعي، ويُعرف بمواقفه الإنسانية والوطنية التي تلامس الضمير العام،
كتب مقالات رأي تعكس التزامه بقضايا العدالة والكرامة الإنسانية، منتقدًا الطائفية والفساد، وداعيًا إلى المواطنة الحقيقية وشرعة حقوق الإنسان. وهو أحد مؤسسي جمعية "رجاؤنا" في قضاء المتن، التي تهدف إلى الأعمال الخيرية، الثقافية، الصحية، والتربوية. وقد مثّل الجمعية رسميًا أمام الحكومة اللبنانية.












10/19/2025 - 11:36 AM





Comments