عندما يصبح ضوء الشمس مشعًّا بالموت: من هيروشيما إلى ذاكرة الأرض والظل المحفور على الجدار

08/06/2025 - 08:06 AM

Arab American Target

 

 

بقلم: لبنى عويضة...

 

في صباح السادس من آب 1945، لم تشرق الشمس على هيروشيما… بل انفجرت. لم تكن نارًا عادية، بل نورًا لا يُحتمل. ضوءٌ نزل من السماء لا ليبارك، بل ليُبيد.

في تلك اللحظة، لم يُخترع السلاح فقط… بل اختُرعت أسوأ طريقة للإبادة. لم يمت الناس في المعركة. لم يحملوا السلاح. لم يصيحوا من الألم… فقط تبخّروا.

يقول أحد الناجين: “الذين لم يموتوا فورًا… تمنّوا لو ماتوا.”

أما أنا… فكنت طفلة.

اسمي هانا، وكنت في السابعة.

أحببتُ الربيع، والسمك النيء، وصوت أمي وهي تصفف شعرها في الصباح. كنت أركض في الأزقة كمن يبحث عن ظلٍّ لضحكة. لم أفهم الحرب، ولا معنى أن يطلب منا الكبار أن نختبئ ونصمت. لكنني فهمت الموت باكرًا… حين توقّف كل شيء فجأة، حتى قلبي.

لم أمت تمامًا.

صرت ظلًّا باهتًا على جدار مدرسة. صورة متكلّسة تُبقي المأساة حيّة أكثر من جسدي. ظنّوا أنني انتهيت… لكنني كنت أراقب.

يقولون إن القنبلة كانت “ضرورة استراتيجية”. لكن لا أحد سألني إن كنتُ جزءًا من حسابات الجنرالات. لا أحد سألني إن كنت أستحق هذا الشكل من الغياب.

في تلك اللحظة، صار الإنسان إلهًا صغيرًا: يملك زرًا يُنهي به مدينة كاملة… دون أن يرتجف.

لم يعد القتل وحشيًا، بل قرارًا باردًا، نظيفًا، مغلفًا بكلمات لامعة: “حسم المعركة”، “توازن الرعب”، “ردع نووي”.

لكنني لا أفهم هذه الكلمات. أنا فقط كنت زهرة في باحة المدرسة. وكل ما تبقّى مني… هو الظل.

ثمانون عامًا مرّت.

وما زلت هنا.

المدينة تغيّرت… لكنها لم تُشفَ.

الناس يأتون، يلتقطون الصور، يبكون قليلًا… ثم يرحلون.

الذكرى شيء، والوعي شيء آخر.

المتاحف جميلة، والنصب التذكارية ضرورية، لكن القنبلة… لم تمت. فقط غيّرت أسماءها. صارت “برنامجًا نوويًا”، “خيارًا أخيرًا”، “تفوقًا تقنيًا”. لكن الزرّ لا يزال في متناول الأصابع. والخوف… هو الذي يحكم.

اليوم، تُقرع الأجراس، تُضاء الشموع، يقف القادة دقيقة صمت. لكن من يسمع دقيقة الصمت هذه؟ من يبكي على الظلال المرسومة على الجدران؟ من يعيد صوتنا إلى هذا العالم الذي تعلّم أن ينسى بسرعة؟

في زمن “السوشال ميديا”، تحوّلت الكارثة إلى محتوى. هيروشيما صارت هاشتاغًا، صورةً في متحف، فقرة في كتاب مدرسي ممل.

تحوّل الألم إلى لحظة استهلاك… تُنقَر على الشاشة، ثم تُنسى.

الذاكرة لم تختفِ، لكن اللامبالاة ابتلعتها. والأخطر من الدمار… هو فقدان الحسّ به.

أي أن يصبح الدمار “اعتياديًا”، أو “ضروريًا”، أو “مجرد استراتيجية ردع”.

فهل أصبح العالم أكثر أمانًا؟

غالبًا… لا.

الولايات المتحدة لم تعتذر رسميًا حتى الآن.

الترسانة النووية العالمية لم تُمحَ، بل تضاعفت.

القنابل لم تختفِ، بل تطوّرت: صارت أكثر دقة، أكثر صمتًا، أكثر قدرة على القتل… بلا أثر.

نتحدث عن السلام، عن القانون الدولي، عن “أخلاقيات الحروب”، لكن الحقيقة المُرّة أن الخوف هو ما يدير هذا العالم.

الخوف من الآخر، من السقوط، من الغد، من الضعف… الخوف هو السلاح النووي الحقيقي — وهو الذي يُستخدم لتبرير كل عنف، كل سباق تسلّح، كل صمت.

أنا هانا، ما زلت هنا.

لم يعد لي جسد… لكن بقي لي هذا الصوت.

أراقب من الجدار هؤلاء الذين يأتون ولا يعرفون من كنّا.

أسمع السياسيين يتحدّثون عن السلام… بينما يوقّعون صفقات السلاح.

أرى الأطفال الجدد في المدينة… لا يعرفون لماذا صمتت باحات المدارس فجأة.

لكني لا أطلب الشفقة… بل الوعي.

لا تنسوا ما حدث، لأنكم قد تفعلونه مجددًا. ولا تصدّقوا أن هذا لن يحدث مرة أخرى، لأنكم اخترعتم طريقة لحدوثه آلاف المرّات.

كان ذلك أول هجوم نووي في التاريخ. قنبلة يورانيوم واحدة أسقطتها قاذفة أميركية، كانت كافية لإبادة أكثر من 140 ألف إنسان. وبعد ثلاثة أيام، سقطت قنبلة أخرى على ناغازاكي، حاصدةً عشرات الآلاف. ثم استسلمت اليابان… وانتهت الحرب العالمية الثانية.

لكن… هل انتهى شيء حقًا؟

ذلك اليوم لم ينتهِ. فهو يتمدد. يعيش معنا. ينتقل من مختبر إلى مختبر، من دولة إلى أخرى، من عقل إلى عقل. من هيروشيما إلى ناغازاكي… إلى زر أحمر في يد زعيمٍ غاضب.

في لحظة هيروشيما لم ينفجر رأس المدينة فقط… بل انفجرت فكرة الإنسان عن نفسه. صار بإمكانه أن يُفني ذاته عن بُعد آلاف الكيلومترات، بضغطة واحدة. وصارت الإبادة الجماعية خيارًا عسكريًا، مشروعًا… ومحكومًا بألف مبرر.

وفي النهاية، لا يبقى سوى الذاكرة.

لكن الذاكرة وحدها لا تكفي، ما لم تتحوّل إلى ضمير.

والضمير… لا يليق به الصمت، بل يحتاج إلى يقظة لا تهدأ.

 

نشر المقال في جريدة الرقيب الالكترونية

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment