بقلم شربل عبدالله أنطون
منذ الإطاحة ببشار الأسد في كانون الأوّل 2024، دخلت سوريا فصلاً جديدًا محفوفًا بالمخاطر بعد حرب طويلة. تمكن أحمد الشرع—المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، القائد السابق لـ«هيئة تحرير الشام» — تمكّن من إحكام قبضته على الحكم بسرعة مثيرة للقلق. أجندته الإسلامية الصريحة، مقرونةً بصمت نظامه تجاه الفظائع، أثارت مخاوف عميقة، حتى بين بعض داعميه، بشأن بقاء الهوية التعددية لسوريا. فهل تتجه البلاد الآن نحو دولة إسلامية أحادية الهوية؟
هجمات وحشية على الأقليات
شهدت الأشهر الثمانية الماضية موجة متصاعدة من العنف الطائفي استهدفت بعضًا من أكثر المجتمعات السورية هشاشة:
• مجازر العلويين في اللاذقية: نفذت ميليشيات إسلامية تحظى بدعم من النظام، عمليات قتل ممنهجة ضد مدنيين علويين في ريف اللاذقية. وأكّدت منظمات مثل "العفو الدولية" و"المرصد السوري لحقوق الإنسان" مقتل المئات خلال شهر آذار وحده. وما زال اختطاف وقتل العلويين مستمراً بصمت.
• تفجير كنيسة في دمشق: في 22 حزيران الماضي، فجّر انتحاري إسلامي نفسه في كنيسة القديس إلياس أثناء قداس الأحد، مما أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصاً من المُصلين المسيحيين. الحكومة لم تُصدر أي إدانة ذات معنى، ولم توفّر أي حماية للكنائس، بل اكتفت بالصمت والتستّر على مضايقات الإسلاميين العديدة للمسيحيين السوريين.
• مجازر السويداء بحق الدروز: زادت الهجمات الدامية والمستمرة على أبناء الطائفة الدرزية من تأجيج الأزمة الطائفية في سوريا. ويتهم الناجون وقادة المجتمع الدرزي قوات النظام بالتواطؤ أو بالتورط المباشر في مجازر السويداء التي تتكشف كل يوم فصولها الدامية لا سيما بحق الأطفال والنساء والشيوخ.
ورغم فداحة هذه الجرائم، يلتزم نظام أحمد الشرع الصمت، أو يُظهر تساهلًا مريبًا. وتشير تقارير مراقبين دوليين إلى أن الميليشيات المتطرفة المسؤولة عن سفك الدماء لا تزال تعمل دون أي محاسبة.
الهجمات الإسرائيلية الأخيرة قد تكون أوقفت مؤقتًا حملة النظام ضد الدروز في السويداء، لكنها لا تضمن أن الميليشيات الإسلامية لن تضرب من جديد حين تغيير الظروف. واللافت أن القوى الغربية التي هرعت للتدخل في حالة السويداء، بقيت صامتة أمام المجازر بحق العلويين والمسيحيين السوريين. الجميع أبناء سوريا ويستحقون نفس القدر من الحماية والاهتمام؛ فالجماعات الدينية والعرقية ليست أقليات في أوطانها، بل مكونات أساسية للبلاد.
تحالفات خطيرة وتداعيات إقليمية
يُنسب جانب كبير من العنف الحالي إلى مقاتلين أجانب من الإسلاميين المتطرفين، كثيرون منهم ينتمون إلى جماعات إرهابية تخدم النظام مقابل الولاء. هذا الرهان الخطير على العناصر الجهادية أصاب الأقليات السورية بالذعر، وأربك القوى الإقليمية.
في المقابل، فإن محاولات التفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة الأكراد لم تُثمر سوى عن اتفاق هش مليء بالريبة والمواجهات المتفرقة. فيما يبقى مصير الأكراد في سوريا معلقاً بيد نظام أحمد الشرع.
أما في الخليج، فقد بدأ الداعمون الإقليميون يشعرون بالحرج مع انكشاف الطبيعة الإسلامية المتشددة للنظام الجديد في سوريا. وجاء قرار إدارة ترامب برفع العقوبات ليشعل انتقادات دولية، وسط اتهامات لواشنطن بالتغاضي عن تصاعد العنف الطائفي في سوريا.
يحاول استمالة إسرائيل... ولكن!
في محاولة لكسب شرعية دولية، يسعى أحمد الشرع إلى تطبيع العلاقات بهدوء مع إسرائيل، وكان آخر لقاء سري في باكو، أذربيجان، حيث قدّم النظام السوري عروضًا لتعاون استخباراتي وحوافز اقتصادية لإسرائيل. لكن هل ستنجح هذه المحاولات في تبديد الغضب المتصاعد من قمع الشرع لمكونات أساسية من الشعب السوري؟
الإدانة الدولية واليأس المحلي
بدأ المجتمع الدولي يُظهر قلقًا واضحًا تجاه النهج الطائفي للنظام الجديد:
• تحذير أوروبي: في 11 مارس/ آذار، أصدر ديفيد ماكاليستر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بيانًا مشتركًا نادرًا أدان فيه "الطبيعة الطائفية للهجمات ضد الأقليات السورية"، محذرًا من دخول النزاع مرحلة أكثر خطورة.
• مراجعة خليجية: رغم أن بعض الدول الخليجية اعتبرت الشرع قوة استقرار في البداية، إلا أن محللين يقولون إن تشدده الإسلامي الصريح أثار ندمًا عميقًا. قال أحد المستشارين الخليجيين: "دعمنا أحمد الشرع من أجل الاستقرار، لكننا اليوم نخشى من أن نكون قد خُدِعنا." فيما يخشى مراقبون من "عدم تخلّي أحمد الشرع عن عقيدة تنظيم القاعدة الإلغائية".
الخيار الحاسم
تقف سوريا الآن على مفترق طرق خطير. فيما تمرُ الولايات المتحدة وشركائها باختبار أخلاقي حاسم: هل سيواصلون الرهان على تحالفات تكتيكية مع إسلاميين سلطويين؟ أم سيتخذون موقفًا شجاعًا لمواجهة التكلفة الأخلاقية والإنسانية الهائلة لهذه الشراكات؟ وما هي فعالية أحمد الشرع وأعوانه في مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا؟ والأهم ما هي كلفة الاستعانة بأحمد الشرع على الغرب وعلى سوريا وأهلها؟
قضية التعددية السورية لم تعد شأنًا محليًا أو مجرد همٍّ إقليمي فحسب. بل أصبحت اختبارًا عالميًا سيحدد البوصلة الأخلاقية للدبلوماسية الدولية لعقود مقبلة. وهنا لا بد لدول الخليج العربية، لا سيما المملكة العربية السعودية، من أن تحمي النسيج الاجتماعي والسياسي المكوِّن لسوريا الجديدة، سوريا ما بعد نظام الأسد البائد. كما ينبغي على الدول الأوروبية لعب دور مساند لتعددية المجتمع ووحدة الدولة السورية الجديدة. فمستقبل سوريا أكبر من أن يُترك لفصيل متورط بدم أهلها.
القيادة الأميركية يجب أن تتجاوز وقف إطلاق النار
صحيح أن إعلان المبعوث الأميركي توم باراك عن وقف لإطلاق النار بين سوريا وإسرائيل يُعد خطوة مرحب بها، لكنها لا تكفي. على الرئيس ترامب وإدارته أن يطوروا إطارًا استراتيجيًا يمنع عودة العنف الطائفي. وهذا يتطلب استثمارًا حقيقيًا في دعم التعددية في سوريا، والمشاركة العادلة في حكم البلاد، وترسيخ المساءلة، وضمان الحماية للفئات الأكثر عرضة للخطر.
كما أن على الكونغرس الأميركي أن يتحرك عبر تشريعات رقابية واضحة تضمن أن تعكس السياسة الأميركية في سوريا قيادة أخلاقية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى بدل التصفيق لصفقات قد لا تحصل.












07/27/2025 - 18:58 PM





Comments