على هامش أحداث السّويداء: ألأقلّيّات في الشّرق بين التّاريخ والمصالح الدّوليّة

07/24/2025 - 10:01 AM

Atlantic home care

 

 

 

السفير الدكتور هشام حمدان

 

على أثر الأحداث الأليمة ألتي وقعت في سوريّة خلال الأشهر القليلة الماضية، ونالت من الأقلّيّات المقيمة هناك: ألعلويّة، ألمسيحيّة والدّرزيّة، والتّهديد التّركي الأخير بالتّحرّك العسكري ضدّ الأكراد، بدأت تظهر مقالات وآراء موجّهة ضدّ العرب والعروبة، إضافة إلى زيادة الحديث عن تقسيم سوريّة وإحتمالات حرب جديدة في لبنان والمنطقة. وفي هذا الإطار، نعتقد أنّ النّقاش بشأن هويّتنا المشرقيّة خطأ ويفترض أن لا نتحدث بهذا الصّدد. من يراجع التّاريخ يرى أنّ شعوبنا نسيج مختلط تكرّس عبر حركة القبائل والسّكّان طوال قرون من الزّمن، فأنتج خليطا لا يمكن بنتيجته أن نبني حقيقة علميّة لهويّة ثابتة تبرّر الخروج من الواقع القائم. إنّ أيّ نقاش موضوعيّ بشأن الأحداث الجارية سواء في سوريّة أو في فلسطين المحتلّة أو لبنان، يفترض أن ينطلق من حقائق اليوم ألتي تكرّست ولا شكّ، على ضوء الواقع الذي قام بعد الحرب العالميّة الأولى، وتكرّس بعد الحرب العالميّة الثّانية.

أمّا العروبة، فمفهوم، يُفترض أن لا ينظر إليه في قالب هويّة كيانيّة، بلّ في إطار المصالح التي تعني كلّ المكوّنات الإجتماعيّة في البلدان العربيّة المعنيّة. فهلّ العروبة مفهوم دينيّ أم مفهوم سياسيّ؟ لقد كانت العروبة أيّام جمال عبد النّاصر مفهوما قوميّا، يقوم على أساس التّرابط الثّقافي التّاريخي بما في ذلك الدّيني ألذي جعل مصير شعوب هذه المنطقة مشتركا، وأسّس لمصلحة مشتركة لها في مواجهة الإستعمار و "الإمبرياليّة" للتّحرّر الوطني وللنّضال من أجل تحرير فلسطين. إعتمد عبد النّاصر ألمفهوم الإيديولوجي الإشتراكي مستندا إلى واقع الحرب الباردة من أجل تحقيق غرضه. قامت عام 1979، ثورة الخميني برعاية غربيّة، دفعت بالبعد الدّيني كشعارات للتّحرّر الوطني ولتحرير فلسطين، وذهبت إلى تصدير هذه الثّورة إلى العالم العربي، ما خلق داخله صراع بين الجماعات الدّينيّة والجماعات الإيديولوجيّة السّياسيّة.

يدرك كلّ مؤرّخ متابع، أنّنا في مرحلة جديدة من مفهوم المصالح، نشأ بشكل خاصّ بعد سقوط الشّيوعيّة وتفكّك الإتّحاد السّوفياتي، وسيادة الولايات المتّحدة على النّظام الدّولي الجديد. رأينا تطوّر الأحداث في الشّرق الأوسط منذ ذلك الحين. سقط مفهوم المواجهة الإيديولوجيّة السّياسيّة مع الإستعمار والإمبرياليّة، وورثت الجماعات الدّينيّة الشّيعيّة (ألخمينيّون) والسّنّيّة (ألأخوان المسلمون) شعارات التّحرّر الوطني و "ألنّضال" من أجل فلسطين. رفعت هذه الجماعات الدّينيّة شعارا مشتركا هو تحرير القدس.

استخدمت إيران هذه الشّعارات لإختراق العالم العربي وممارسة الضّغوط لتأمين موقع أساسيّ لها في النّظام الإقليمي في الشّرق الأوسط واستكمال برنامجها النّووي. تفاعلت الأنظمة المعنيّة ألعربيّة والإسلاميّة وخاصّة تركيّا مع هذه الشّعارات وفقا لمصالحها مع الولايات المتّحدة. روّجت كلّ هذه الجماعات أمام الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، أنّ تحرير القدس، يعني تحرير فلسطين التّاريخيّة وإزالة إسرائيل من الوجود. فيما قامت خلف السّتار، بالتّكرار في المحافل الدّوليّة، أنّ الشّعار إنّما يقتصر على تطبيق القرار 242 (ألأرض مقابل السّلام) وألذي يعتبر القدس أرضا فلسطينيّة محتلّة.

بدأت تتساقط الأنظمة العربيّة، حاملة الفكر السّياسي للقوميّة العربيّة العلمانيّة، وسادت مكانها أنظمة تمسك بها تيارات دينيّة. شهدنا حرب الخليج الثّانية، وإنهيار العراق، وقيام الفدراليّة الطّوائفيّة فيه. سقطت مصر أمام الأخوان المسلمين لحواليّ السّنة تقريبا. سقطت ليبيا وكذلك السّودان في فوضى مستمرّة حتّى الآن. شهدت سوريّة حربا أهليّة طاحنة، حصل خلالها حاكمها بشار الأسد على دعم الخمينيّين الإيرانيّين مقابل ميليشيا الأخوان المسلمين المدعومين من تركيّا. وخضع لبنان إلى حكم حزب إيران فيه (حزب الله). ظلّت إسرائيل هدفا مشتركا للخمينيّين والإخوان المسلمين في كلّ هذه المحطّات.

ماذا حدث خلال هذه التّطوّرات؟

لاحظنا أنّ الأردن لم يتعرّض لتحرّك إنقلابيّ أخوانيّ رغم قوّة وفعاليّة الإخوان فيه. كما أنّ حكم الإخوان المسلمين في مصر، سقط سريعا. لماذا؟ باعتقادنا أنّ السّبب يعود إلى رفض إسرائيل قيام أنظمة للأخوان على حدودها سواء في مصر أو الأردن. إسرائيل لا تثق بمثل هذا النّظام، وتعلم أنّه يخضع لتوجّهات تركيّة، وسوف تستخدمه الأخيرة لمصالحها في المنطقة لاحقا في أيّ وقت. وبالفعل، تمّ إسقاط نظام الأخوان في مصر، والمجيء بنظام علماني صديق للغرب، ومخلص لإتّفاق السّلام مع إسرائيل.

إستمرّت الأحداث في لبنان وسوريّة. كان حزب الله الإيرانيّ يحكم حركة الجماعات الإسلاميّة ضدّ إسرائيل. أخذ الإخوان المبادرة، ودفعوا بحماس للحلول مكان الحزب في هذا الدّور. دخلت غزّة في حرب مدمّرة، وبدأ دور حزب الله في جنوب لبنان بالتّراجع ليقتصر على دعم حركة حماس. ونحن نعلم النّتيجة: إنهار الحزب والدّور الإيراني، وسقط بشّار الأسد آخر زعيم عربي من مخلّفات الفكر السّياسي للقوميّة العربيّة العلمانيّة.

أمسك الأخوان بالسّلطة في دمشق. وقد شرحنا في مقالتنا السّابقة عن أجواء الإنتقال إلى حكم الإخوان. إعتقدت الولايات المتّحدة وحلفاؤها العرب، أنّ دفع النّظام الأخوانيّ إلى عمليّة سلام مع إسرائيل، هو بطاقة خضراء تضمن للنّظام سيطرته على البلاد. لكنّهم تجاهلوا حقائق تاريخيّة ساطعة. إسرائيل لن تقبل نظاما إخوانيّا تديره تركيّا، على حدودها. ثمّ أنّ واقع الأقلّيّات في سوريّة، هو أكثر تعقيدا عمّا كان عليه الأمر في بلدان عربيّة أخرى شهدت ما سمّي بالرّبيع العربي.

حتّى أمين عام الأمم المتّحدة، كان قد رأى ذلك سابقا، واقترح إعتماد النّموذج اللّبناني لحكم سوريّة. أخطأ العرب في تجاهلهم واقع لبنان في سبعينيّات القرن الماضي، واندفاعهم لدعم القضية الفلسطينية على حسابه. كما وأخطأ كمال جنبلاط عندما اندفع إلى مناصرة العروبة (ألنّاصريّة في حينه)، متجاهلا الواقع الوطني في بلاده. ذهب لبنان إلى حرب أهليّة، وتحوّل ساحة حروب لأكثر من خمسين سنة. من المؤسف، أنّ العرب يكرّرون هذا الخطأ في سوريّة حاليّا. كما أنّ وليد جنبلاط إبن كمال جنبلاط، يكرّر الخطأ باندفاعه نحو العروبة الأخوانيّة، متسبّبا بتدمير النّسيج الوحدوي الثّقافي للطّائفة الدّرزيّة.

لا تستطيع الولايات المتّحدة،، تجاهل موقف إسرائيل مهما كانت أولويّاتها. ألموقف الإسرائيلي لا يتعلّق بمزاج نتنياهو كما يشاع، بلّ هو مسألة أمنيّة لا تتساهل إسرائيل فيها. لذلك كلّه، هناك مخرج واحد لهذا الواقع، فإمّا اعتماد الفدراليّة على غرار العراق كي يتابع النّظام الأخواني دوره القيادي في سوريّة، أو الإندفاع نحو حرب متشابكة أهليّة وإقليميّة، أو سقوط النّظام، تحت مفعول تسوية تقيم نظاما علمانيّا صديقا للولايات المتّحدة، يدفع نحو السّلام مع إسرائيل، ولا يعادي تركيّا وجيرانه العرب.    

 

   

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment