الاتصالات في لبنان: رفاهية رقمية في جمهورية الإفلاس

07/22/2025 - 09:07 AM

Bt adv

 

 

بقلم: لبنى عويضة...

 

في بلد يرزح تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، تتكشّف يومًا بعد يوم طبقات جديدة من العبث المنظّم. لم يعد الاتصال بالإنترنت مجرد حق أو خدمة، بل تحوّل إلى امتياز طبقي يُشترى بالدولار، ويُقاس بمدى قدرة المواطن على تحمّل الأسعار المتصاعدة، في ظل اقتصاد موازي تُحكمه قواعد السوق من خلف ستار دولة غائبة.

رغم أن لبنان لا يزال يملك رسميًا شركتي الخلوي “ألفا” و”تاتش”، فإن الواقع الفوضوي يبرز في غياب أي تنظيم فعلي للسوق. الأسعار تُحدّد بالدولار من دون مرجعية قانونية أو حماية تشريعية، والشبكات تُباع من تحت الطاولة، والإنترنت يُوزّع عبر شبكات غير شرعية تتغذّى على فراغ الدولة وتواطئها.

شبكة بلا سيادة

تقنيًا، ما زال لبنان يملك بنية تحتية للألياف الضوئية، لكنها محصورة في المناطق المركزية. أما الأحياء الشعبية والضواحي والقرى، فتُدار من قبل موزّعين يتحكّمون بالأسعار والجودة من دون أي رِقابة تُذكر، ما يجعل الإنترنت سلعة في السوق السوداء، يتحكّم بها تجّار نفوذ لا يخضعون لأي مساءلة.

أما وزارة الاتصالات، فهي تعمل على إصدار بيانات الاستنكار، لكنها لا توقف الشبكات، ولا تحاسب المسؤولين، ولا تفكّك المنظومات التي تنمو في ظلّ هذه الفوضى. والنتيجة؟ المواطن يدفع مرتين: للدولة أولًا، وللسوق الموازية ثانية.

الخصخصة المقنّعة والطبقية الرقمية

في لبنان اليوم، لم تعد خِدْمَات الاتصالات تنتمي إلى الحيّز العام سوى بالاسم. فحين تُطلق شركة “تاتش” – المملوكة للدولة نظريًا – باقات خلوية بأسعار تصل إلى 100 دولار شهريًا، تحت عنوان “تحسينات”، فإنها لا تعلن عرضًا تجاريًا، بل ترسّخ منطقًا جديدًا للعلاقة بين المواطن ودولته: منطق الدفع، لا الحق.

في الوقت نفسه، تستمر “أوجيرو” بتقديم خدمة الإنترنت الأرضي وَسَط أعطال مزمنة وتقطّع متواصل، فيما تبقى شبكات الخليوي رهينة ضعف البِنَى التحتية وانقطاع الكهرباء، مقابل فواتير تُسعّر بالدولار الفريش.

ما يُبنى هنا ليس مجرد سوق رقمي جديد، بل منظومة تُشبه نظام التأشيرات: من يملك حق الدخول هو فقط من يملك الدولار. التعليم، العمل، البحث، حتى القدرة على التواصل… تحوّلت إلى امتيازات تُمنح لمن يستطيع شراء “السرعة”، بينما يُقصى الآخرون بصمت.

تجدر الإشارة إلى أن قطاع الاتصالات في لبنان أصبح أشبه بمرآة للسلطة: غياب للمحاسبة، انفلات للسوق، وتحوّل الحقوق إلى سلع. وبين التسعير العشوائي وغياب التنظيم، لا يبدو أن المواطن يقف على حافة الانقطاع فقط، بل على حافة الانفصال الكامل عن القرن الحادي والعشرين.

بين الهجمات السيبرانية والانهيار البنيوي

التهديد لم يعد ماليًا فقط. فقد شهد لبنان في الأشهر الأخيرة هجمات إلكترونية عطّلت الإنترنت في مناطق واسعة، وسط غياب أي جهاز فعّال للأمن السيبراني. فشبكة الاتصالات المكشوفة تقدّم نفسها كهدف سهل، تمامًا كما تُقدّم الدولة مواطنيها كفريسة لاقتصاد الظلّ.

ما بعد الانهيار: من يُنقذ الشبكة؟

حين تُفكّك الدولة وتُترك الخدمات الأساسية في يد السوق، يصبح الأمن الرقمي، والتنمية، والمساواة، رهائن لقرارات فردية وتجار نفوذ. لا يمكن الحديث عن إصلاح الاتصالات دون حسم الأسئلة الجوهرية: من يملك القرار؟ من يضبط السوق؟ من يحاسب؟ ومن يوفّر الحماية؟

“ستارلينك”: إنترنت خارج النظام

في مشهد رقمي يتهاوى، يطلّ اسم “ستارلينك” كمنقذ محتمل من خارج الخراب المحلي. الإنترنت الفضائي لا يُقدَّم هنا كتقنية فقط، بل كحلم خارجي يحلّق فوق الرداءة. وقد تواصلت الحكومة فعليًا مع الشركة، وجرى عرض تقني على رئيس الحكومة ووزير الاتصالات، ولبنان اليوم مدرج رسميًا على “قائمة الانتظار”.

لكن القلق يتصاعد في الكواليس: “أوجيرو” ومنظومة الاتصالات الرسمية تخشى فقدان السيطرة على السوق إذا دخلت “ستارلينك”، خصوصًا أن ربع المستخدمين قد يهاجرون صوب صحون فضائية تلتقط الإشارة من قبرص، لا من السنترالات المعطّلة.

اليوم، الخدمة موجودة بالفعل، لكنها غير قانونية ومحصورة بمن يملك ثمن الجهاز وكلفة التشغيل بالدولار الفريش. والنتيجة؟ تكنولوجيا تعمّق الفجوة بدل أن تردمها، وتحرير رقمي قد ينقلب إلى تبعية فضائية إن لم يُضبط بإطار قانوني وسيادي.

بين السيادة الرقمية والتبعية المستمرة

قطاع الاتصالات في لبنان ليس استثناءً من الانهيار، بل من أبرز تمظهراته. خدمة تُباع في السوق السوداء، شبكة غير محمية، ومواطن يلهث خلف “جيغابايت” قد يكون ترفًا في بلد لم يعُد يوفّر شيئًا. لكن الأخطر أن هذا القطاع بات واجهة لواقع طبقي رقمي، تُرسَم فيه حدود غير مرئية بين من يملك الوصول ومن يُقصى بفعل الجغرافيا والفقر.

من إعلانات “تاتش” المترفة، إلى الإنترنت المهجور في القرى، ومن “ستارلينك” الخارجة عن السيطرة، إلى “أوجيرو” المنهكة… تتّضح ملامح خصخصة زاحفة، تُغلّف بالحداثة وتُسوَّق كحلول.

النتيجة؟ مواطن بلا سيادة رقمية، وخدمات تتحوّل من حق عام إلى امتياز مدفوع بالدولار، وسوق مفتوح أمام الخارج دون أي ضمانات. أما الدولة، فتتراجع إلى دور الوسيط القلق، لا الراعي الحامي.

والمفارقة أن هذا كلّه يحدث في بلد كان يُعرف يومًا بأنه “الأكثر تواصلًا” في المنطقة، فإذا به يُقصى اليوم عن الحد الأدنى من البقاء الرقمي.

 

 

نشر في جريدة الرقيب الالكترونية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment