السويداء... بين مطرقة الانفجار الاجتماعي وسندان التقاطعات الإقليمية

07/14/2025 - 18:23 PM

Atlantic home care

 

 

العشائر، المجلس العسكري، إسرائيل، والزعامة الدرزية: مشهد مفتوح على الاحتمالات؟؟

 

 

تقرير خاص - بيروت تايمز
 

إعداد: الإعلامي جورج ديب – قسم الشؤون السورية

 

السويداء، المحافظة السورية ذات الخصوصية الطائفية والاجتماعية، تعيش اليوم لحظة فارقة، بعدما تحوّلت من مركز احتجاجات مطلبية إلى ساحة نزاع قبلي مسلّح، وسط فراغ حكومي، غموض إقليمي، وتدخّلات متعدّدة الأطراف.

منذ رحيل الرئيس بشار الأسد أواخر 2024، وتولّي أحمد الشرع رئاسة الحكومة الانتقالية، لم تعرف المحافظة أي بوادر حل. بل باتت ميدانًا للاشتباك الأهلي والسياسي، حيث تتقاطع إرادة الداخل وعبث الخارج، على حساب أمن السكان وكرامتهم.

 

الاحتجاج والحرب القبلية: سقوط وهم الدولة

في يوليو 2025، تفجّرت اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية وعشائر بدوية، راح ضحيتها أكثر من 90 قتيلًا خلال أيام، واستُخدم فيها السلاح الثقيل. اللجان المرتبطة بدمشق اكتفت بالمراقبة، فيما تغيب أي قوة ردع، وترتفع مخاوف من انفلاتٍ شامل قد يُطيح بما تبقّى من السلم الأهلي.

 

أسباب الأحداث الأخيرة: شرارة الخطف وغياب الردع

وفق مصادر ميدانية وتقارير حقوقية، تعود أسباب التصعيد الأخير إلى حادثتي اختطاف متبادلة:

- الأولى، اختطاف أحد أبناء الطائفة الدرزية من قبل مجموعة مجهولة.

- الثانية، ردّ المجلس العسكري المحلي بخطف عشرة من أبناء العشائر البدوية.

-  تشير رواية أخرى إلى اعتداء مسلح على تاجر درزي في أثناء عودته من دمشق، حيث تعرّض للضرب والشتائم الطائفية، وسُرقت شاحنته المحمّلة بالخضار، ما أثار موجة غضب واسعة.

هذه الحوادث، في ظل غياب مؤسسات الدولة، تحوّلت إلى مواجهات دامية، غذّتها مشاعر الثأر، وانعدام الثقة، وانتشار السلاح خارج أي سلطة قانونية.

 

القصف الإسرائيلي ودور الشيخ طريف: حماية أم تصعيد؟

في 14  تموز 2025، نفّذ الجيش الإسرائيلي غارات جوية على دبابات سورية كانت تتحرك نحو قرى درزية في السويداء، بزعم أنها تجاوزت "الخط الأحمر" الذي وضعته إسرائيل قرب الحدود.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صرّح أن الضربات كانت "رسالة واضحة" للنظام السوري، وأن إسرائيل "لن تسمح بالمساس بالدروز في سوريا".

في ظل تنامي الاحتجاجات داخل المجتمع الدرزي شمال إسرائيل، أطلق الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، نداءً عاجلاً لرأب الصدع ووقف الانزلاق، مشددًا على رفض الطائفة لأي شكل من أشكال الاعتداء، وداعيًا القيادات إلى تحرك فوري لاحتواء الأزمة.

هذا البيان يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعد سلسلة مظاهرات تضامنية مع دروز السويداء في سوريا، والتي أثارت قلقًا أمنيًا وسياسيًا داخل إسرائيل، خاصة بعد تقارير عن وقوع صدامات وأعمال عنف.

قراءة في مضامين البيان:

- لغة البيان اتسمت بالحزم والهدوء معًا، في محاولة لضبط إيقاع الخطاب العام داخل الطائفة الدرزية، وتوجيهه نحو التهدئة لا التصعيد.

- التشديد على الوحدة الداخلية يعكس تخوفًا من انقسامات أو استقطابات سياسية داخل الطائفة، في ظل التفاعلات الإقليمية المتشابكة.

- دعوة للقيادات تعبّر عن رغبة في انتقال الدور من الرمزي إلى الفعلي، عبر تحرك ميداني لضبط الموقف ومنع تفاقمه.

جدل داخلي: حماية أم إحراج؟

بعض القيادات الدرزية في سوريا، خصوصًا في السويداء، عبّرت عن تحفظها تجاه تدخل إسرائيل، معتبرة أن ذلك يضع الطائفة في موقف حساس ويهدد وحدة الصف الوطني. في المقابل، هناك مظاهرات مؤيدة لطريف في السويداء، رُفعت خلالها صوره إلى جانب الشيخ حكمت الهجري، في تعبير عن دعم رمزي لتحركاته. لكن مصادر ميدانية ترى في هذا التدخّل "ازدواجية هدفها إبقاء الجنوب السوري منطقة فوضى يمكن الضغط عليها متى اقتضت الحاجة"، محذّرة من أن "الحديث عن حماية الأقليات قد يتحوّل إلى غطاء لإعادة رسم خرائط النفوذ."

 

أحمد الشرع: إدارة أزمة أم إدارة فراغ؟

منذ تولّيه السلطة، وعد أحمد الشرع بـ "مصالحة وطنية شاملة"، لكن الواقع في السويداء يعكس تجميدًا كاملاً لأي دور فعلي.

اللجان المُرسلة لا تحمل صلاحيات، والوزير المعني، سامي صوان، اكتفى بتصريحات متردّدة، بينما تتردّد أن الحكومة ترى في الأزمة وسيلة لتمرير الوقت في انتظار اتّضاح الصفقات الإقليمية.

 

المجلس العسكري المحلي: سلطة موازية في وجه الغياب

منذ تأسيس "المجلس العسكري المحلي" بقيادة طارق الشوفي، ظهرت سلطة أمر واقع جديدة.

المجلس يردع الفوضى المسلحة حينًا، لكنه يفرض وصايته على القرى ويضيّق على الحراك المدني، من دون ولاء معلن لدمشق أو تنسيق واضح مع المعارضة.

 

القيادات الدرزية اللبنانية: مواقف رمزية لا تحمي أحداً

- النائب والوزير السابق وليد جنبلاط علّق عن مستجدات السويداء، بالقول: "نرفض نداءات الحماية الخارجية والإسرائيلية، ونتمنى أن يعود الأمن والوفاق من خلال حل سياسي وتحت رعاية السلطة السورية التي نحن على تواصل معها".

تصريح جنبلاط يأتي في وقت تتواصل فيه الاشتباكات الدموية بين مجموعات من عشائر البدو ومسلّحين دروز من أبناء السويداء، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى. وقد تدخلت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة السورية الجديدة، ونفّذت عمليات اقتحام في الجهة الغربية من المحافظة، ضمن محاولات لاحتواء التوتر وفرض النظام.

يُذكر أن دعوات محلية كانت قد صدرت عن بعض الشخصيات الروحية والسياسية في السويداء للمطالبة بحماية دولية، وهو ما أثار تفاعلات واسعة في الأوساط السياسية اللبنانية والسورية على حدّ سواء.

- رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان كتب عبر حسابه على منصّة "إكس": "لا يمكن اعتبار ما يحصل في السويداء مجرّد إشكال بين الدروز والعشائر الموجودة في المحافظة، إذ تخطّى الأمر كل التوقّعات وبات يُشبه إلى حدّ كبير ما شهدته بعض مناطق الساحل السوري.
فـ ”الدولة”، التي يُفترض بها أن تتدخّل بأجهزتها لفضّ النزاع والتحكيم بين أبناء الوطن الواحد، دخلت كطرف بشكلٍ واضح وعلني، وهذا ما يُساهم في تدمير الأوطان لا بنائها.

وعليه، فإنّ تدخّل الدول الكبرى، والدول العربية وتحديدًا دول الخليج العربي، بات ضرورة ملحّة لوضع حدّ لما يجري. حماية الدروز والأقليات لم تعد خيارًا، بل أصبحت واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا. أمّا في غياب هذا التدخّل، فلا أحد يعلم إلى أين ستتجه الأمور، ولا إلى أيّ مصيرٍ نحن ذاهبون".

- وئام وهاب رئيس حزب التوحيد العربي الوزير السابق اتهم الأمن العام في سوريا بمساعدة البدو في الهجوم على أطراف محافظة السويداء، محذرًا من أن استمرار هذا الضغط سيدفع بالمحافظة إلى طلب الحماية. وشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لتدخل الدولة لوقف الاستهداف.

وذكر وهاب أنه أجرى اتصالًا بالشيخ نواف الملحم، الذي عمل منذ سنوات على معالجة المشاكل بين أبناء السويداء والعشائر، حيث تم التأكيد على ضرورة المعالجة ووقف الاشتباكات، وعلى أهمية أن يتولى الأمن العام الفصل في المناطق الساخنة. وأكد أن أبناء السويداء والعشائر هم أهل وجيران منذ مئات السنين، ولا ضرورة لكل ما حصل.

-  النائب تيمور جنبلاط كتب على حسابه عبر منصة "إكس": "يتكرّر نزف الدماء في السويداء ويسقط الشهداء وتكبر التحديات في سوريا.كل التعازي بالشهداء. المطلوب حقن الدماء فورا والتنبّه لخطورة هذه الفتنة،ومعالجة سريعة وأن تقوم الدولة بدورها بحماية السوريين بكل أطيافهم وفرض الأمن بعيداً عن أوهام الحماية الخارجية التي لم تُنجد السوريين منذ 2011".

شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى تابع التطورات والمستجدات الأمنية في مدينة السويداء، اعتبارًا من يوم امس واليوم مع مشايخ المدينة وفاعلياتها الروحية، وفي مقدمهم مشايخ العقل، مبديًا "اسفه البالغ للأحداث الدامية الحاصلة"، وداعيا إلى "ضرورة التعاطي برويّة وحكمة وتعقل، لوقف التدهور الأمني والدخول بالقوة الى المحافظة، والعمل على أيجاد حلول تضمن الاستقرار والأمان وتحقن الدماء بين ابناء الوطن الواحد". 

 وحثّ الشيخ ابي المنى في بيان "الدولة السورية لعلى تحمّل مسؤولياتها الوطنية، اذ ان تبعات مثل هكذا مواجهات لا تخدم مصلحة البلاد ولا تنهي النزاعات"، داعياً الى "التفاهم والاتفاق تحت سقف الدولة ومؤسساتها الشرعية". 

فعليًا، لا زال الشارع السويداوي يفتقر لأي غطاء سياسي درزي فاعل، ما يكرّس عزلةً قاتلة في وجه الانهيار.

 

خطر الغياب وتحوّلات الشرعية

الغياب شبه الكامل للزعامات التقليدية عن المشهد الميداني يفتح الباب أمام مشهد تمثيلي جديد، تُحرّكه أصوات المجتمع المدني والناشطين المستقلين. هذا التحوّل قد يُفضي إلى فقدان المرجعية التاريخية، واستبدالها بقوى محلية شعبوية أو عسكرية، مما يضعف الدور الوطني والسياسي للطائفة في أي تسوية سورية قادمة.

 

لا نثق بأحد… لا حكومة ولا فصائل

الناشط إياد الجبلاني قال:  "نحن بين نار العشائر ومكر السياسة. لا قيادة تحمينا، ولا حكومة تجرؤ على التدخل."

الناشطة رولا نصر الدين وصفت الواقع بأنه "أزمة كرامة قبل أن يكون أمنية أو سياسية"، بينما عبّر أحد الشيوخ بقوله: "لا نثق بأحد. السويداء ليست ورقة تفاوض، بل قضية شعب يريد حياة محترمة."

 

السويداء تشتعل… وسوريا على مفترق نجاة أو انهيار

السويداء اليوم ليست ضحية أزمة محلية فحسب، بل إنذار وطني. غياب الدولة، تفكّك المرجعيات، تدخلات إسرائيلية، وعجز حكومي… كلها مكونات مشهد مفتوح على الاحتمالات الأخطر.

إذا كانت الحكومة ترى في الصمت حلًا، فإن الأهالي يرونه خذلانًا يُفقدهم ما تبقى من إيمان بالوطن.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment