كريم حداد
فيما يواصل لبنان تلمّس طريقه وسط حقول الألغام الداخلية والاشتباكات الإقليمية المتنقلة، يعود شبح الحرب ليخيّم بثقله على المشهد، وهذه المرّة من بوابة الجنوب. فـ”حزب الله” يُصعّد الخطاب ويؤكد تمسكه بـ”المقاومة المستمرة”، في وقت تلوّح فيه إسرائيل بنفاد صبرها، وتُكثف من غاراتها وتحركاتها العسكرية.
في ظل هذا التوتر المتصاعد، تحضر مبادرات التهدئة في المشهد، لكن هذه المبادرات – وعلى رأسها المبادرة الأميركية التي يحملها الموفد الرئاسي توم برّاك – تبدو كأنها رقصة دبلوماسية على جمر ملتهب. فبرّاك الذي يزور بيروت حاملًا ما يُعرف بـ”ورقة التسوية”، تسلّم رسميًا ردّ الدولة اللبنانية من قصر بعبدا، في حين أكدت مصادر مطلعة أن “حزب الله” لم يسلّم حتى الآن أي موقف رسمي تجاه مضمون الورقة.
برّاك: ترامب أوكلني… وهذه مشكلتكم
في مؤتمر مقتضب، أعلن المبعوث الأميركي أن الرئيس دونالد ترامب “يؤمن بأنّ لبنان ما زال مفتاح المنطقة، ويمكن أن يكون لؤلؤة المتوسط”، وأنه أوكل إليه مهمة السعي لإعادة الاستقرار إليه. إلا أن برّاك لم يتردّد في توجيه رسائل واضحة:
“أليس حزب الله حزبًا سياسيًا في لبنان؟ هل تعتقدون أن دولة أخرى ستقوم بحل حزب سياسي داخل دولة تتمتع بالسيادة؟ هذه مشكلتكم… عليكم أن تحلوها.”
كلام برّاك بدا أقرب إلى تحميل المسؤولية كاملة للدولة اللبنانية، وخصوصًا في ما يتعلق بسلاح “حزب الله” ودوره العسكري، معتبرًا أن المشكلة داخلية ولا يمكن تحميل المجتمع الدولي تبعاتها. كما أوضح بوضوح أن إسرائيل “لا تريد الحرب مع لبنان، ولا تسعى لاحتلاله”، لكنها – بحسب قوله – “تحترم لبنان وتنوّعه”، وهي رسالة مزدوجة قد تُقرأ على أنها تهدئة إعلامية مقابل استعداد ميداني لأي مواجهة محتملة.
رد لبناني رسمي… وغياب موقف “الحزب”
فيما سلّمت الدولة اللبنانية ردّها إلى برّاك رسميًا، تؤكد المعلومات أن قصر بعبدا لم يتلقَّ حتى اللحظة ردًّا مماثلًا من “حزب الله”. هذا الغياب يسلّط الضوء مجددًا على المأزق البنيوي في القرار اللبناني: هل تُمثّل مؤسسات الدولة موقف لبنان فعلًا، أم أنها تُفاوض في ظل غياب الطرف المقرّر؟
الورقة اللبنانية تضمنت بنودًا سيادية واضحة: التزام بوقف الأعمال العدائية بموجب القرار 1701، دعم للجيش، تفكيك منشآت عسكرية جنوب الليطاني، ضبط الحدود، والإصلاحات. غير أن كل هذه البنود تبقى بلا قيمة عملية ما لم تُرفق بقبول ضمني من الحزب، وهو ما لم يحدث حتى الآن، لا تصريحًا ولا تلميحًا.
دبلوماسية على حافة الانفجار
ما يحصل اليوم هو صراع بين منطقين:
منطق الدولة، الذي يحاول تصدير موقف متوازن يُرضي المجتمع الدولي دون التصادم مع “حزب الله”،
ومنطق “الحزب”، الذي لا يعترف فعليًا بأي مرجعية رسمية إذا مسّ الأمر جوهر قوته: السلاح والدور الإقليمي.
الوقت يضيق، ومجال المناورة يتقلّص. ومع أن زيارة برّاك قد تمثل “الطلقة الدبلوماسية الأخيرة” لتفادي الانفجار، فإنّ كل المؤشرات تدل على أن الورقة الأميركية وُضعت في عربة تسبق الحصان اللبناني، إذ لا يوجد بعد أي ضمانة لتنفيذ ما ورد فيها، ولا توافق داخلي حقيقي حول أولويات السيادة ومصير السلاح.
لبنان… بين استحقاق القرار وخطر الانفجار
ما لم يحصل تغيير جذري في موقف “حزب الله”، وما لم تجرؤ الدولة على إعادة الإمساك بالقرار السيادي، فإنّ المشهد متجه نحو مزيد من التعقيد. فالمجتمع الدولي – كما عبّر برّاك بوضوح – لن يواجه عن اللبنانيين مشكلتهم الداخلية، بل سيكتفي بإعطاء الفرصة، وربما المهلة، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع جديدة.
مرة أخرى، لبنان على حافة مفترق خطير.
ومرة أخرى، الخيار واضح: إما سيادة حقيقية وسلاح شرعي واحد… أو انهيار شامل تحكمه الفوضى والصواريخ.












07/08/2025 - 20:03 PM





Comments