البروفسور نسيم الخوري *
ستبقى عواصم العالم المسيحي وشاشاته في الدنيا مسكونة بالقلق والبطء والخوف والفشل في الحراك كما "البطة العرجاء" التي تميل على جنبيها كي لا تقع في الحفر أو في الماء الآسن أو تطالها القذائف العشوائية التي اعتاد اللبنانيون عليها وهم على جنب الرئيس ترامب الأيمن واليهود على جانبه الأيسر.
وسيبقى لبنان الحبيب المصلوب في الجحيم بين قوسين محكمين بالدمار والقتلى بانتظار دونالد ترامب الرئيس الأميركي المُنتخب حتى يُباشر ولايته الثانية في العشرين من شهر كانون الثاني/ يناير 2025 خلف المكتب البيضاوي في البيت الأبيض وما بعد ذلك التاريخ بما لسنا ندري.
هذا هو مختصر الوقت الثقيل الدامي الضائع والفالت والمقيت.
هذا هو الحال بكلمتين للأسف!
ستبقى اللبنانيون رفوفاً من "البطّ الأعرج الخائف المنزوي والمقهور" وقد نُتفت أنفاسها وسقطت أجنحتها وأبنيتها المنتقاة على "البكلة" ركاماً مطحوناً كما تسقط أو تهتز ناطحات السحاب بما يتجاوز مقاييش ريختر. يا لهذه التسمية البليدة عبر بيروت الكبرى!
شهران من الترهل إذن ستمرّ علينا حتى صلب المسيح في الجمعة العظيمة وسبت النور وقيامته مخلّصاً يتجدد في عيد الميلاد ونمر مع البشرية نحو رأس السنة الميلادية الجديدة وسيبقي الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بملامحه الهرمة وضياعه البائن المشتدّ محكوماً بـ "البطة العرجاء" وكأنه نسي كليّاً عهده وسماعه بالقيامات المهندسة في نيران لبنان.
إنّه الزمن الممطوط الثقيل الطويل وفقاً للقانون الأميركي إذ يبقى يتمتع الرجل بكامل صلاحياته الدستورية حتى ذلك التاريخ ولو أنّ العالم لا لبنان وحسب سيبقى واقفاً مُقيماً أو مصلوباً على "صوص ونقطة" في الجحيم أو راكعاً على ركبتيه بانتظار هذا الفيلم المعاصر الرهيب وكأنّ اللبنانيين والغرب والشرق ما شبعوا بعد من مناظر الجثث والأشلاء والخرائب الوحشية التي تعيدنا إلى ما يتجاوز مآسي الحربين العالميتين.
تختصر هذه المشاهد والأفلام الرهيبة الدقيقة الإخراج عبر الشاشات بالصوت والصورة أساساً ما تمّت تسميته أساساً ب"طوفان الأقصى" عندما شلحت حماس ما يتجاوز ال 3000 صاروخ من قطاع غزّة نحو إسرائيل إذ كان اليهود يتهيؤون ربّما للصلاة كما ورد عبر وسائل الإعلام في العالم. ولنا أن نذكر ما كانوا يقصّون علينا أطفالاً في البيوت والمدارس عن "السبت اليهودي" ومعانيه إذ يفطر فيه المسيحيون عن صيامهم بانتظار طقوس الآحاد بينما يندفع اليهود فيه للصلاة.
أذكّر الرئيس دونالد ترامب، وبالانتظار الصعب، وأذكر مساعديه الذين يحفون شواربهم وشعورهم ويحزمون حقائبهم نحو البيت الأبيض بكتاب رائع تمّ إهماله هو "صناعة السلام" الشهير لـ "جورج ميتشل".
1- جورج سياسي إبن حارس مبنى فقير إيرلندي/ أميركي (تبنّته مهاجرة لبنانية هي ماري سعد أصلها من قريتي الكفير آخر قريةٍ نائية جنوبي لبنان قبالة جبل الشيخ أو جبل حرمون، وكان عمره خمس سنوات. ساعدته على إكمال دراسته في القانون وكان يعمل سائقاً وحارساً ليليّاً في الوقت نفسه ليبدأ حياته فيما بعد محامياً بارعاً ثم مدعيا عاما ثم قاضيا مشهوراً. جورج ميتشل خلال ولايتي جورج بوش وبيل كلينتون منصب الأكثرية في مجلس الشيوخ الأميركي( 1989-1994).
كلّفه الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون، بعد تقاعده النيابي سنة 1995، بملف مفاوضات السلام في إيرلندا الشمالية حيث المهمة التي وصّفها في كتابه "صناعة السلام" بالأقسى والأنجح ليتابع من 1995 إلى 2000 رئيساً أوّل لمجموعة الأزمات الدولية وهي منظمة أميركية تعنى بتفكيك الأزمات في العالم. واعتبر الرئيس باراك أوباما ميتشل بأنّه صاحب "المواهب الخارقة في التفاوض" إثر نجاحه في التوصل لاتفاق سلام تاريخي في أزمات إيرلندا الشمالية الشديدة التعقيد، ولهذا أوفده في الـ 2000 رئيساً للّجنة الدولية حول الشرق الأوسط التي حملت إسمه لإنهاء العنف المتكرر والمتمادي بين الإسرائيليين والفلسطينيين حيث وضع ميتشل تقريراً تمّ إهماله وشئت اليوم إحياءه لموضوعيته ومنطقه ولكونه كان جوازالتحاقه أعني ميتشل في الـ 2002 خبيراً مرموقاً ب"مركز النزاعات الدولية" بجامعة كولومبيا.
2- تُذكّرني الكفير بصراحة بالقرية التي فيها وُلدت فيها والدتك سيدي الرئيس ترامب وفقاً لمؤلفك الشيق والضخم الذي دفعني إلى متابعتك وأوصيت طالباتي وطلابي بقراءته في الجامعة وهو: "ترامب بلا قناع" الذي علّقت أنت عليه بأنه "كتاب تافه ونصحت القرّاء بألاّ يقرأونه أو يقتنونه" وأخالفك الرأي لأنه لقية عظيمة لطموح الأجيال الفقراء وأنا فيهم ومنهم ولهم .
هذا الكتاب هو حقيقتك العظمى حيث القرية التي زرتها "بريزيدانت ترامب" في اسكوتلندا حيث نشأت والدتك هناك عاملة تفرّغ الأسماك الضخمة رحمها الله قبل التحاقها بشقيقتها أي خالتك منهكةً في سفينة السمك نحو أميركا.
أهديك رئيساً مؤمناً كتاب "صناعة السلام" لجورج ميتشل لربّما يبيض مكتبك البيضاوي سلاماً تُبيّض فيه وجه العالم المنتظر معبدايات ولايتك الثانية وفّقكم الله".
أمامي نص حرفي لتقرير «لجنة ميتشل» عن أوضاع الأراضي المحتلة. وضعته في 25 أيار2001 لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق التي شُكّلت خلال "مؤتمر السلام في الشرق الأوسط"، لبحث أسباب العنف المتكرّرة والمفاجئة التي تندلع بين الفلسطينيين والإسرائيليين من دون تهيئة، وأهم ما فيه مسألتان أو عقدتان واحدتان هما: المستوطنات والقدس.
1- يقول جورج ميتشل (1972-1905) أنّ "النزاعات يصنعها البشر ويواصلونها وهم وحدهم القادرون على إيجاد حلولٍ نهائية لها "؟
2- ماذا في خلاصات تقرير ميتشل؟
1- في المستوطنات: «تتحمل حكومات إسرائيل وحدها مسؤولية المساهمة في إعادة الثقة. بات من الصعب جداً بل المضني دوليا وتاريخيّاً، المحافظة على وقف العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب إن تجمّد الحكومات الإسرائيلية أنشطتها في بناء المستوطنات، وعليها أن تُقرّر جيداً ما إذا كانت هذه المستوطنات هي نقاط احتكاكٍ حقيقية أو وسائل مهمة للمقايضة في مفاوضات مستقبلية أو أنها ستبقى مكامن استفزاز قادرة على أن تحول دون بدء أية مفاوضات مثمرة».
2- في المختصر التاريخي: تمتّع إسرائيل منذ تأسيسها بدعم قوي كأبنة من الولايات المتحدة الأمريكية بكونها الصوت العالمي الوحيد المؤيد لإسرائيل، ولكن حتى في العلاقات متينة إلى هذا الحد، كانت تقوم بعض دواعي الخلاف بيننا وبينها حول معضلة المستوطنات... أذكّر بما أعلنه جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية، عندما قال: «في كل مرة قصدت فيها إسرائيل لمهمة تتعلق بالسلام، كنت استقبل بإعلان عن نشاط استيطاني جديد. هذا انتهاك لسياسة الولايات المتحدة والعقل البشري، ومسألة الاستيطان هي أول مسألة يثيرها الفلسطينيون في أراضيهم الذين يعيشون في وضع بائس حقاً، كما يثيرها العرب. لا أظن أن هناك عقبة تعترض السلام أكبر من العقبة التي يشكلها النشاط الاستيطاني الذي يستمر بصورة متسارعة". أنظروا ماذا يحصل في لبنان وجنوبه؟
"تمثل هذه السياسة، في جوهرها، يكتب ميتشل، سياسة كل الإدارات الأمريكية خلال العقود المنصرمة"، وينتقد بإسهاب تركيا والنروج ودول الاتحاد الأوروبي حيال سياسة الاستيطان غير الشرعية في القانون الدولي المناهضة للاتفاقيات السابقة". ويتابع في تناول الأماكن المقدسة، بأنه «لا يُعقل أن تتحول أماكن مثل الحرم الشريف/جبلا لهيكل في القدس، وقبر يوسف في نابلس، وقبر راحيل في بيت لحم إلى مسارح للاستيطان والعنف والموت والحروب، وهي أماكن سلام وصلاةٍ وتأمل يجب أن تكون مفتوحة لكل الديانات».
صحيح أنّ لكلّ النزاعات حلولاً، لكنّ ميتشل ختم تقريره بكلمتين:" إنّ المشهد الدبلوماسي والسياسي في الشرق الأوسط سيكون حلّه أصعب بكثير من ملف إيرلندا الشمالية وكل الملفّات النزاع في تاريخ العالم، حتّى تحلّ الرؤى الإنسانية".
*مؤلف وأستاذ في المعهد العالي للدكتوراه.
عضو الهيئة العليا للإشراف على الإنتخابات البرلمانية












11/20/2024 - 08:42 AM





Comments