د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
دونالد ترمب جديد عاد إلى البيت الأبيض بعد اكتساحه للانتخابات وخسارة مدوية لهاريس، ينتظر المجتمع الأمريكي منه اتخاذ قرارات حاسمة، أعلنها في فترة انتخابه، على رأسها تقليص عجز الانفاق الحكومي، الذي بات يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل الاقتصاد الأمريكي، وبين عامي 1992 و 2012 جرى تعديل سقف الدين 15 مرة، ومنذ 2013 جرى تعليق سقف الدين بدلا من رفعه بشكل مباشر، لكن أعيد فرضه سبع مرات إضافية، ارتفع سقف الدين من 16.7 تريليون دولار في 2013 إلى 31.4 تريليون دولار في 2023.
وعدم التوصل إلى حل سوف تضطر الخزانة إلى استخدام احتياطياتها النقدية، لأن استمرار ارتفاع الديون يقود المستثمرين اللجوء إلى الاستثمار في دول أخرى، مما يرفع الفوائد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الفوائد على الحكومة تصل خلال عشر سنوات إلى 750 مليار دولار وسط تخفيضات ضريبية وخطط توسعية بقيمة 7.75 تريليون دولار، ومع إعلان فوز ترمب في الانتخابات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.479 في المائة.
واتخاذ قرار حازم تجاه الحدود، لتقليص الهجرة الغير شرعية، خصوصا وأن المجتمع الأمريكي معني بالهجرة السرية أكثر من حقوق النساء، بجانب إصلاح المؤسسات الحكومية، بإعادة إصدار أمره التنفيذي لعام 2020 لاستعادة سلطة الرئيس وإزالة البيروقراطيين المارقين، وتطهير جميع الجهات الفاعلة الفاسدة في جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، مع إصلاح محاكم مراقبة الاستخبارات الأجنبية بالكامل والتي أصبحت فاسدة، ومن جهة أخرى يبدو ان ملايين الأمريكيين باتوا رافضين الانسياق خلف اليسار الديمقراطي المغرق في علمانية مفرطة تعاني من تفلت أخلاقي، وتشريعات مخالفة لكافة النواميس والفطر السليمة، بجانب سياسات اقتصادية أثرت على الطبقة الوسطى، قد يكون بايدن متبسما وفرحا بسبب إرغامه على التنازل، والفوز لم يتوقف على الرئاسة بل أيضا امتد إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وهو بمثابة فوز عظيم.
فيما يخص العلاقة بالسعودية، فعندما أتى بايدن إلى البيت الأبيض أعلن عن إعادة تقييم العلاقات مع السعودية، بجانب عزلها، بسبب فتح السعودية الباب للصين والانفتاح على الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود من علاقات استراتيجية سعودية أميركية، مما أربك العلاقات السعودية الأمريكية بسبب أن رؤية المملكة 2030 تتطلب الانفتاح على الجميع وتنويع شراكات ندية لتحقيق رؤيتها.
ووفق صحيفة مونيتور قالت من المثير للدهشة أن يتحول المشهد إلى ما هو عليه الآن، زعيم عربي يتعرض للتشهير الغربي قبل خمسة أعوام فقط، والآن أصبح الغربيون يتوددون إليه، وليس لأن ولي العهد السعودي فعل أي شيء لإصلاح العلاقات معهم، بل العكس تماما، لقد قام بتجاهلهم واستخدم ثروات بلاده لتحقيق رؤيته في بناء اقتصاد أقل اعتمادا على النفط، وجعل بلاده لاعبا رائدا في الطاقة المتجددة والمناخ والتحول الرقمي والسياحة والاستثمار والرياضة، حتى أصبحت السعودية قوة لا يستهان بها على المسرح العالمي، إذ هو بمثابة إعلان نصر للسعودية.
فلقد كانت الفترة الأولى لترمب شاهدا على تعاون مكثف بين الرياض وواشنطن في المجالات الأمنية والاقتصادية وكانت وجهة ترمب الأولى للرياض، وقد تكون أيضا من ضمن أهم وجهاته الأولى في فترته الحالية، وكما اتفق ترمب مع السعودية على القضاء على الإرهاب في فترته الأولى، والانسحاب الآحادي من الاتفاق النووي الإيراني، ووضع عقوبات اقتصادية صارمة، بجانب توقيع صفقة أسلحة بقيمة 110 مليار دولار في 20 مايو 2017 سميت بالصفقة الأضخم، كذلك يمكن الاتفاق في هذه الولاية القضاء على المليشيات في المنطقة تماما.
لن تتدخل السعودية في الاصطفاف إلى جانب واشنطن ضد إيران بسبب أنها وقعت معها تهدئة برعاية بكين، وهناك التزام بين البلدين في عدم استهداف أمن بلديهما، سيكون دور واشنطن في دعم الاستقرار في المنطقة في مواجهة التحديات الجيوسياسية، وسيسعى ترمب إلى تعزيز العلاقات الدفاعية والأمنية مع السعودية، مستأنفا سلسلة من صفقات الأسلحة الكبرى التي تم التأسيس لها خلال ولايته الأولى وتم إيقافها بعد مجئ بايدن تهدف إلى الاستقرار الإقليمي وتعزيز التوازن الأمني في مواجهة التحديات الإقليمية، وستبرز السعودية كشريك دفاعي أساسي في المنطقة، وتعزيز التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية.
في الوقت الذي تسعى السعودية نحو تنويع اقتصادها بعيدا عن النفط ، فمن المتوقع أن يتعزز التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين مع التركيز على مجالات الطاقة والدفاع، والتوصل إلى صيغة توازن بين المصالح الاقتصادية والأمنية للجانبين، بالإضافة إلى المشاركة بين الجانبين في تحقيق تقدم ملموس في معالجة القضايا الإقليمية الشائكة وعلى رأسها إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ودمج إسرائيل في المنطقة، خصوصا وأن الرئيس ترمب تعهد لولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال اتصال بينهما قبل انتخابه بالعمل سويا لإحلال السلام في المنطقة إذا فاز.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى











11/09/2024 - 15:19 PM





Comments