كريم حداد
يعيش سكان القرى اللبنانية المحاذية للحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة أوضاعاً إنسانية شديدة القسوة، حيث تصاعدت الغارات الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، مما اضطر عشرات الآلاف من العائلات إلى النزوح من منازلها بحثاً عن الأمان. وفي خطوة تصعيدية إضافية، أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، تعليمات صارمة لسكان هذه المناطق بعدم العودة إلى منازلهم حتى إشعار آخر، مبرراً ذلك بذرائع أمنية.
إن هذا الواقع يعكس حالة من التمادي في التحكم بمصائر المدنيين، حيث باتت قرارات حياتهم اليومية مفروضة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، الذي يملي عليهم مسارات محددة للحركة واللجوء. لم يعد خروج سكان القرى من منازلهم بسبب القصف فقط، بل أيضاً استجابةً لتوجيهات عسكرية تعزز شعورهم بأنهم يعيشون تحت سيطرة عسكرية غير معلنة.
وفي بعلبك والجنوب اللبناني، تلقى السكان إنذارات عاجلة من الجيش الإسرائيلي، مطالبين بإخلاء منازلهم فوراً بدعوى استهداف مواقع تابعة لحزب الله. ووجهت التعليمات للسكان بالتوجه عبر مسارات معينة مثل أوتوستراد زحلة - بعلبك وطريق نحلة - بعلبك، مع تحذيرات من الاقتراب من أي منشآت أو عناصر تابعة لحزب الله. في الجنوب، أصدرت تحذيرات مشابهة لقرى مثل سجد وكفرجوز، وطلب من الأهالي النزوح شمالاً بعيداً عن مناطق القصف.
وأفاد التقرير الصادر عن لجنة الطوارئ الحكومية، برئاسة وزير البيئة ناصر ياسين، بأن لبنان شهد في الـ24 ساعة الأخيرة 101 غارة جوية استهدفت مناطق في الجنوب والنبطية وبعلبك، مما رفع العدد الإجمالي للاعتداءات إلى 11,579. كما أفادت وزارة الصحة بأن الحصيلة البشرية خلال هذه الفترة بلغت 28 شهيداً و165 جريحاً، لترتفع حصيلة الضحايا منذ بدء العدوان إلى 2820 شهيداً و12,937 جريحاً.
وفي ظل هذا التصعيد العنيف، يعاني القطاع الصحي من ضغوط هائلة، حيث تضررت 39 مستشفى و80 مركزاً طبياً واسعافياً، إضافة إلى مقتل وإصابة عشرات العاملين في القطاع الطبي.
بلغت الأعداد المسجلة للنازحين نحو 188,217 نازحاً في مراكز الإيواء، مع توقعات بوجود أعداد أكبر لم تُسجل. تقوم الأجهزة الأمنية بمحاولة تنظيم الأوضاع من خلال توزيع المساعدات وضمان حماية مراكز الإيواء وضبط الحدود والأسعار، لكن الضغوط تتزايد مع كل يوم.
ومع توسع القصف الإسرائيلي ليصل إلى مناطق مثل طاريا وشمسطار وبريتال وأحياء عدة في بعلبك، تجاوز القصف التحذيرات التي وُجهت مسبقاً، مما خلق حالة من الهلع. شُوهدت قوافل النازحين تتدفق باتجاه مناطق مثل دير الأحمر وعرسال، التي استقبلت آلاف العائلات النازحة، وسط ظروف صعبة وتحديات لوجستية وإنسانية هائلة.
يأتي كل هذا في ظل صمت كبير من جانب السياسيين اللبنانيين، الذين يظهرون عاجزين أو غير واعين بحجم الكارثة. إن الدولة تبدو في حالة انحلال كامل، غير قادرة على حماية مواطنيها، بينما يلتزم المسؤولون في كثير من الأحيان بالصمت أو يصدرون بيانات رمزية لا تقدم حلولاً عملية. فالوضع الحالي ليس مجرد أزمة نزوح أو صراع عابر، بل تجسيد لانهيار مؤسسات الدولة وعدم قدرتها على التصدي للأخطار.
في ظل هذه الظروف، تتضح الحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز السياسة التقليدية، وتدعو إلى إصلاحات جذرية تضع سلامة المواطنين أولاً، وتحمي حقوقهم في أرضهم.











11/07/2024 - 04:18 AM





Comments