ماذا بعد الهجوم الإسرائيلي "المدروس بدقّة" على إيران!

10/28/2024 - 20:25 PM

A

 

 

ألسّفير د. هشام حمدان

 

لطالما كرّرت إسرائيل أنّها ستوجّه ضربة عسكريّة دقيقة لإيران. وعليه، أكّدت بوضوح منذ البداية أنّها ستقوم بتحييد المرافق النّوويّة ومرافق النّفط في إيران، وأنّها ستقتصر الضّربة على المرافق العسكريّة. كان هذا كافيا كي ندرك منذ ذلك الحين، أنّه لم يكن لدى إسرائيل رغبة بالذّهاب إلى حرب شاملة، وأنّها تحترم المخاوف الأميركيّة بهذا الصّدد.

وقد برزت معلومات قبل أيام من زيارة الوزير الأميركي بلينكن إلى إسرائيل، عن إمكانيّة إمتناع إسرائيل عن توجيه ضربتها العسكريّة إذا قدّمت إيران إلتزامات بإنهاء حزب الله في لبنان. وقد زاد تسريب المعلومات الإستخباراتيّة الأميركيّة عن خطّة الضّربة من القناعة أنّ هناك اتّجاه فعلا لعدم القيام بهذه الضّربة.

جاءت زيارة وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن إلى إسرائيل، حيث تأكّد بوضوح ما تمّ ترتيبه ضمنيّا مع إيران بشأن الواقع اللّبناني. إيران ألحليفة التّاريخيّة لإسرائيل وأميركا، لا تريد حربًا مفتوحة مع البلدين. هناك منافسة في المصالح لكن لا يجب ان تتحول هذه المنافسة إلى تدمير لهما. لذلك يمكن القول أنّ الضّربة الإسرائيليّة لم تكن دقيقة فحسب، بلّ كانت "مدروسة بدقّة" أيضا بحيث تنهي الحرب المباشرة بين الجانبين.

لم نر صورا لمفاعيل هذه الضّربة كما عوّدتنا الكاميرات الإسرائيليّة المرافقة للقصف الذي تقوم به إسرائيل عادة. هذا الأمر، سمح للجانبين أن ينشرا ما يريدانه حولها. إسرائيل قالت أنّها حقّقت أهدافها "بدقّة"، وإيران قالت أنّها تركت آثارا سلبيّة محدودة. إيران إكتفت بالقول بأنّها تحتفظ بحقّ الرّدّ ممّا يذكّرنا بإعلانات دمشق التي لم تكن يوما تريد الرّدّ. وهكذا يبدو الهجوم الإسرائيلي "المدروس بدقة" قد مهّد لاغلاق ملف الحرب المباشرة بين الطرفين.

ساهمت هذه الضربة بإراحة إسرائيل من وعدها لشعبها بالرّد على الهجوم الإيراني. كما أنّ إيران، التي لا مصلحة لها أيضا في حرب شاملة، شعرت أن هجمتها على إسرائيل كانت كافية، فقد أزاحت عن كاهلها عبء الانتقام لاغتيال إسماعيل هنيّه وحسن نصر الله، وأعادت تلميع صورتها المهتزّة في البيئة الشّيعيّة العربيّة.

ألسّؤال الان هو كيف ينعكس هذا الأمر على الواقع اللّبناني!

يعتقد المحلّلون أنّ نتنياهو قد بدّل موقفه بعد أن قبض ثمنا لذلك. تعتقد د. ليلى نقولا مثلا، أنّ الأميركي قايض الضّربة المحدودة على إيران بإسقاط الإدعاء ضدّه في المحكمة الجنائيّة. ويرى آخرون أنّ إسرائيل وكذلك إيران، لا يرغبان بإغضاب الدّيمقراطيّين أمام الإنتخابات الوشيكة في الولايات المتّحدة. لكن أخرين يعتقدون أنّ هذا التّطوّر حصل في إطار تسوية شاملة تشمل أيضا غزّة ولبنان.

إيران ستضغط باتّجاه قبول حزبها في لبنان، للتّسوية السّياسيّة التي تعرضها فرنسا والولايات المتّحدة، كما أنّها لن تعرقل الجهود التي يقوم بها رعاة الأخوان المسلمين في تركيّا وقطر بشأن تحقيق انفراج في اتّفاق إطلاق الرّهائن في غزّة. وقد سارعت إيران للمطالبة فعلا بوقف الحرب في لبنان وغزّة.

في الواقع، ليس مهمّا مناقشة ذلك الثمن الذي سيقبضه نتنياهو، ولا كذلك الثّمن الذي ستقبضه إيران. ألمهم ‎أن ندرك أنّ لبنان هو السّاحة النّازفة المستمرّة حتّى الآن في لعبة الصّفقات. كلّ القراءات بشأن الوضع اللّبناني، تستند إلى مواقف الخارج، وليس ما يريده اللّبنانيّون. نحن، لا رجال دولة في بلدنا.

نرى كبار السّياسيّين في لبنان ينافسون الإعلاميين على منصاتهم، في التّحليل وقراءة المعطيات. كأنهم مثلنا، مراقبون، وليسوا جزءا من صانعي القرار. يريدوننا أن نصدق أنّهم محايدين، أو أنّهم معارضين، لكنّهم يجلسون معا على الطّاولة ذاتها. لم أر يوما مثل هذه المسرحيّة السّياسيّة في النّظم الدّيمقراطيّة. والمضحك المبكي، أنّهم يقولون في تعليقاتهم الإعلاميّة شيئا، ثم يقومون في الغرف الدّاخليّة بوضع البصمة على ما يأتي من الخارج.

لن أدخل في لعبة استقراء الغد. ألغد بين أيدينا. هل سيخضع أهل الجنوب والمقاومة ألمصرّون على الإقبال على الموت المجاني والدمار، لقرار إيراني بسحب السّلاح وتطبيق القرارات الدّوليّة؟ أو هل يتراجع السّياديون ألمصرّون على تطبيق القرار 1559، فيقبلون بواسطة فرنسا لإبقاء السّلاح بأيدي حزب إيران بعد أن قبض الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الثّمن بتزكية الحزب لبلاده لإعادة إعمار المرفأ؟ هذان أمران خارج أيّ استقراء، فلا رجال في لبنان يمكننا أن نستند إلى مواقفها لنقرأ الغد. 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment