حرب تمارسها إسرائيل وتديرها أمريكا

10/28/2024 - 17:50 PM

A

 

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

كانت تهدف إيران إلى شرعنة مليشياتها في لبنان وسوريا والعراق واليمن التي شكلتها ليس نتيجة قوتها، وإنما نتيجة ظروف دولية وإقليمية استثمرتها إيران، بدأ من احتلال بوش العراق، ثم استثمار ثورات الربيع العربي التي ضربت المنطقة عام 2011، ولم تتوقع إيران أن هذا النفوذ المصطنع يفشل على يد السعودية، كما فشلت ثورات ربيع براغ في 1968وسحق ربيع براغ تحت أقدام جيوش الدول الأعضاء في حلف وارسو.

ليس فقط السعودية التي انزعجت من الاتفاق النووي 5+1 في 2015 مقابل غض الطرف عن النفوذ الإقليمي الإيراني، بل إسرائيل كانت تراقب النووي الإيراني منذ 2012 عندما طلب نتنياهو من أوباما ضرب المفاعل النووي الإيراني، حيث سبق لإسرائيل في 23 يونيو 2021 أن تقدمت لترمب بشن هجمات على تسا في كرج وفق صحيفة نيويورك تايمز باعتبار أن تسا من ضمن الأهداف المدرجة في قائمة إسرائيل لشن هجوم على برنامج إيران النووي باعتبار أن تسا لها دور في تطوير البرنامج النووي من خلال تصميم وإنتاج جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي التي تقوم بتخصيب اليورانيوم بسرعة أعلى بكثير، استبدل ترمب الهجوم بفرض عقوبات مشددة على إيران.

 ضرب أمريكا الحوثيين بغارات جوية تدميرية لأول مرة استهدفت خمس منشآت لتخزين الأسلحة تحت الأرض باستخدام قاذفات الشبح B2 ضربة جوية نوعية نفذتها الطائرات الأمريكية لتخترق الأرض، وتدمير تلك المخازن، كانت رسالة لإيران أن الولايات المتحدة إذا أرادت أن تقضي على النووي الإيراني فهو بين يديها، وتعرف ذلك إسرائيل، لذلك على إيران التوقف عن تصعيد الصراع في المنطقة، وأن تتنازل عن ميليشياتها، ولن تقبل أمريكا في أن تبقي ميليشياتها على العهد الفضي لابد من أن تنتهي وتتلاشى تماما، ونحن نلاحظ محمد رعد يرفض طلبا من نبيه بري بتسليم سلاح الحزب إلى الجيش وتنفيذ القرار 1701 وقال له من فوضك نيابة عن حزب الله، ولأول مرة يحدث تصعيد بين حركة أمل وحزب الله، وهو الحزب الذهبي الذي كانت تعتمد عليه إيران في توسيع نفوذها وتدريب وتشكيل المليشيات في سوريا واليمن ومساعدتهم على إطلاق الصواريخ على بلاد الحرمين.

لم تقبل الولايات المتحدة ودول المنطقة احتواء توسع مليشيات إيران، وأنها لابد من تدميرها من أجل رسم خارطة جديدة للمنطقة خالية من التهديدات الإيرانية، وفي 27 سبتمبر أعلن نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة بأن بلاده تود ان تكون النقطة المحورية في الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا والذي يمر بدول الخليج تحت الرعاية السعودية.

 ما جعل الولايات المتحدة تطلق العنان لإسرائيل لضرب أذرع إيران في المنطقة، خصوصا بعدما رعت بكين تهدئة بين إيران والسعودية، ولن تشارك السعودية في القضاء على مليشيات إيران وسبق أن منعت الولايات المتحدة من تحرير التحالف بقيادة السعودية الحديدة في 2018، وتحرير صنعاء في 2019، وتقنع أمريكا إيران بسرعة التوصل إلى تسوية على وقع تقدم دونالد ترمب المحتمل قد تكون حينها حظوظ التسويات شبه معدومة.

لن تعود عقارب الساعة نحو الوراء، وهناك قرار إقليمي ودولي قد اتخذ، وأرادات الولايات المتحدة أن ترد إسرائيل على ضربات إيران في أول شهر أكتوبر 2024 وفق الأجندة الأمريكية، أي أن حرب تمارسها إسرائيل وتديرها أمريكا، تتجاوز الكلاسيكية القديمة أن اللوبي الإسرائيلي يتحكم بأمريكا، لكن الصحيح أن أمريكا في منظومتها لصناعة القرار متسعة ومنفتحة على الخارج بما فيها لوبيات لا يعني أن إسرائيل تفرض أجندتها على الولايات المتحدة.

لم تنجح إسرائيل في جر أمريكا لحرب إقليمية موسعة من أجل ضرب المفاعلات النووية الإيرانية، لأنها لا تستطيع بمفردها، وإرجاء إسرائيل الضربة بعد التسريبات التي هي جزء من العمل السياسي لشراء بعض الوقت، خصوصا وأن التسريبات لم تتحدث عن الأهداف بل تحدثت عن جوانب أخرى، هناك حسابات استراتيجية للولايات المتحدة، فهي لا ترى أن إيران عدو وجودي كما تراه إسرائيل، وليس من أجندة أمريكا اسقاط النظام الإيراني كما تطالب إسرائيل، لأنه يصب في صالح الصراع الأكبر مع الصين وروسيا.

فإسرائيل تتخذ من ضرب الأطراف ثم رأس الأفعى، لكن أمريكا تراهن على عودة إيران إلى الحضن الغربي، فهمت السعودية هذه الاستراتيجية وأصبحت تسابق الولايات المتحدة في التعامل بها، وهذا لا يعني قبول السعودية ببقاء المليشيات بل تطالب السعودية بتخلي إيران عن المليشيات، وسبق أن طالب وزير خارجية إيران جواد ظريف إقامة علاقات طبيعية مع السعودية عندما تحدث مع وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل رحمه الله فرد عليه أن تخرج إيران من المنطقة العربية، وهناك مقوله لتيتو رئيس يوغسلافيا وهو صربي عندما قال إذا أردنا الأمن والاستقرار علينا إضعاف الصرب وتقوية يوغسلافيا، وهذا ما ينبغي أن يحدث في لبنان بإضعاف حزب الله وتقوية لبنان وكذلك في اليمن والعراق وسوريا.

أعدت إيران حربا للقرن الماضي، بينما حرب القرن الواحد والعشرين تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، وهي لا تمتلك سياسة دفاعية مناسبة مثل التي تمتلكها إسرائيل، رغم ذلك هناك تنسيق أمريكي سعودي في إدارة الصراع في المنطقة وتقييده حتى لا يتحول على حرب إقليمية ودولية، ويريان أن ضربات المنشآت النووية قد يتسبب في كارثة بيئية، وضرب منشآت اقتصادية يضر بالانتخابات الجارية في أمريكا، خصوصا بعد إضعاف حزب الله كقاعدة متقدمة لإيران أصبحت إيران مكشوفة أمام الضربات الإسرائيلية.

بالفعل التزمت إسرائيل بضرب المنشآت العسكرية فقط دون ضرب المنشآت النووية والاقتصادية، وتركزت ضرباتها في محافظات طهران وخوستان وإيلام، بثلاث موجات من الضربات الجوية، شملت ضرب بطاريات الصواريخ أرض جو على رأسها اس 300، وشملت الضربات منشآت لصنع الصواريخ في إيران، وبشكل خاص مواقع مفخخة بخلاطات الوقود الصاروخي، مما يعيق بشكل كبير قدرة إيران على إنتاج الصواريخ، ولم تستهدف الضربات أي مركز عسكري للحرس الثوري، ما يعني أن هناك تسويات وتنازلات من الحرس الثوري أجريت من أجل التخلي عن المليشيات في المنطقة جميعها مقابل عدم استهدافه.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى بمكة

      [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment