بقلم: ألفة السلامي
أمر معروف وبديهي أن الدول تخاف من الركود، والدول الفقيرة والنامية تخاف من الركود بشكل مضاعف؛ والمضحك المبكي أنه ليس ركودها ما تخافه وإنما ركود الدول العظمى لأنها مرتبطة بها ارتباط الرضيع بحبله السري مع أمه البيولوجية. لكن قضيتي ليست ركود اقتصاديات الدول وإنما ركود ابن آدم!
وسأبدأ من نفسي. قضيت طفولتي أنجذب لألعاب الذكور مع أخويّ اللذين يكبراني بسنوات قليلة. وفي استراحتهما، أميل لألعاب البنات مع جاراتي وأختيّ الأصغر. لم أكن أشعر أن ألعاب الصبيان تكفيني ولا ألعاب البنات تليق بي، لكن الانتقال بينهما يخفف الملل عني. وفي الرياضة، مارست الكثير منها في المدرسة مثل كرة اليد والسلة والطائرة وألعاب القوى. وبمجرد بدء الاستعداد لخوض البطولات المدرسية أنتقل لنشاط آخر يملأ وقتي وكأنه الهروب خوفًا على حريتي الفردية من سطوة الالتزام الجماعي.
في المرة الوحيدة التي قاومت فيها ملل التدريبات المكثفة مع فريق المدرسة لكرة السلة، أصبتُ بعد مباراة في دوري المدارس بالتهاب الزائدة الدودية وأجريت جراحة في المستشفى. لم أحزنْ، ببساطة لأن الصحفية الصغيرة وجدت موضوعًا جيدًا يبدد الملل وأنا على فراش المرض يتمثل في الخدمات السيئة داخل المستشفى وتسجيل آراء المرضى.
وبمجرد خروجي ذهبت بتلك الملاحظات الى أستاذي علي البقلوطي صاحب دار نشر وجريدة شمس الجنوب، وهو جاري أيضًا الذي بدأت التدريب معه مبكرا وأنا في الإعدادية؛ قال وقد اكتسى وجهه بنصف ابتسامة تعجيزية، خبرتها من قبل عند توجيه النقد التحفيزي: "أين الصور؟!". عرفت حينئذ أن المغامرة بلا طائل!
وكما في الرياضة، كنت أنتقل بين الفنون، أنجذب للشعر تارة وأحفظه وألقيه في دور الثقافة وأحاول التدرب على كتابته. لكن سرعان ما أملُّ بعد فترة من علم العروض وتعقيداته. ويجذبني المسرح فأظن أني سأكون يومًا في الفرقة المدرسية التي أسسها أستاذي لسعد الجموسي. وبالفعل أحضر بروفات التدريب، ثم أشعر لوهلة أن الحزن الغالب على المسرحية يأسر بهجتي. فأعود إلى نادي السينما والمداومة أسبوعيًا، مع أقرب أصدقائي لعقلي، على مشاهدة أحدث الأفلام العالمية وأكثرها كسرا لحدودي ومعانقة قضايا الإنسانية.
استمر يومي مكتظًا بالأحداث في مرحلة لاحقة من عمري. لم يكن عملا واحدا يكفيني ويشبعني، فأنا أتجول بين زحمة أفكاري، وحب المغامرة الصحفية قد لا تستوعبه إلا عدة أنماط صحفية. عملت التحقيقات والحوارات والتقارير وغطيت من الثقافة والأدب إلى المجتمع والسياسة والنزاعات، وبينها احتل الاقتصاد والأعمال مساحة كبيرة عندما كان الاقتصاد والمال والأعمال نوعا جديدا في عالم الصحافة. لم أبخل على نفسي بالتدريب في كل مجال من تلك المجالات حتى أكتسب المهارات. ولم يفتني التلفزيون والعمل كمراسلة في مناطق عديدة، كما لم تفتني تجربة العمل في المنظمات.
وكانت استراحة المحاربة تجبرني بين الفينة والأخرى على الركون لمنطقة الظل والتقاط الأنفاس. وقد يكون هذا التغيير في المواقع وما بين الصخب والهدوء النداء الداخلي الطارد للملل والركود.
أراجع سنوات عمري فلا أجد سنة مرت تشبه سابقتها؛ أخاف من الركود والملل ثم أجد نفسي أبحث عنه، وأرتاح قليلًا في المنطقة الآمنة؛ فجأة يعود الشغف والبحث عن التغيير والحياة الصاخبة، فأقضي الصباح في مكان وأختم يومي في مكان، ولا يكاد يربط بينهما أي خيط مشترك. وتتكرر الدائرة التي يطلق عليها المقربون مني الدائرة الجهنمية، حتى أصبح "الثابت الوحيد لديّ هو التغيير".
هذه العبارة الأخيرة هي للفيلسوف اليوناني هيراقليطس الذي قلما يُذكرُ في الأدبيات الفلسفية رغم كونه مصدر إلهام لعمالقة الفلسفة اليونانية مثل سقراط وأسطو وأفلاطون. وهو القائل إن جوهر الكون هو التغيير المستمر وأن كل الأشياء تمر ولا شيء يبقى. وهو القائل أيضا "إنه لا يمكنك النزول في نفس النهر مرتين" في إشارة إلى مفهوم التغير الدائم وكونه السمة الأساسية للحياة. وتظل هذه العبارة واحدة من أكثر الأفكار عمقا وتأثيرا في نفسي لأنها تحرض على التفكير العميق في طبيعة التغير وحياة الإنسان وبيئته وكل شيء يحيط بهما، وتذكير دائم بأن التغيير هو الثابت الوحيد في حياتنا.
هذا يتطلب أن نتقبل التغيير ونتكيف معه، ونعمل على العيش في الحاضر وتقدير كل لحظة فريدة ومتميزة في حياتنا بكامل تفاصيلها، وبحلوها حتى لو كان قليلا ومرها حتى لو كان كثيرا، بذلك فقط يمكننا أن نعيش تجارب ثرية وملهمة. والأمثلة عديدة في حياتنا اليومية تجسد هذا المفهوم: في حياتنا الأسرية لابد أن نعيش المرحلة العمرية بكافة الأدوار وحسب كل مرحلة.
عندما نكون أطفالا وشبابا ثم كهولا وشيوخا؛ البنوة ثم الأبوة والمشاعر المختلفة حسب الأدوار والتي لا يمكن تجريبها إلا في عمرها ومرحلتها ومع التجارب التي ترافقها من مغامرات للتعلم وصولا للنضج والحكمة. كذلك في العمل وما يطرأ عليه من تغيرات سريعة، خاصة في ضوء التطور التكنولوجي وتنافسية الفرص وهو ما يتطلب منا القدرة على التكيف مع تلك التغيرات.
هذا ينقلنا إلى أهمية تغيير الذات والسعي الدائم للتعلم واكتساب مهارات. بمعنى آخر، التغير حاصل لا محالة لكن كيف يكون لصالحنا حتى لا نشعر بالركود فنهرب ونعتكف وربما نحزن ونكتئب فيفتك بنا رهاب الوحدة.
إن تعلم كيفية التحرر من الركود والنمطية أراها رحلة إنسانية ممتعة تستمر مدى الحياة وتستحق المحاولات. وكلمة التغيير تبدو كأنها طعنة في أمعاء بعض المتشبثين بالروتين رافضي التغيير لأنهم أنهوا التعلم مبكرا ويرفضون المخاطرة وركوب الصعب واحتمال التعثر. لكني أرى أنه لا بأس من التعثر لأنه يقصي الخوف ويفسح المجال لاكتشاف الذات وحب كل ما هو جديد حتى لو كان غريبا؛ والغريب بعد قليل سيصبح مألوفا وركيكا ينام على سرير الركود!.











10/28/2024 - 09:35 AM





Comments