كريم حداد *
منذ حرب تموز 2006، التي استمرت 34 يوماً وألقت بظلال ثقيلة من الموت والدمار والنزوح على لبنان، وصولاً إلى قرار حزب الله بوقف النزاع عبر المفاوضات التي قادها الرئيس فؤاد السنيورة لقبول القرار 1701، تعود اليوم الأسئلة حول مدى التزام قيادة الحزب بمصالح اللبنانيين عند اتخاذ قراراتها المصيرية. فهل يأخذ المسؤول الإيراني، الذي يمسك بملفات الحرب والتفاوض، في اعتباره الشعب والأرض اللبنانية، أم ينظر إليهما كورقة ضغط في سبيل تحقيق أهداف طهران الاستراتيجية؟
اليوم، لبنان يقف على مفترق طرق مشابه؛ تغيب المبادرات المسيحية التقدمية التي تربط مستقبل المسيحيين بالمنطقة، إذ تترقب القيادات السياسية النتائج أو تعيد النظر في تحالفاتها مع حزب الله أو تخشى من أزمة النازحين. ويبقى السؤال: هل من زعيمٍ يملك الجرأة على المبادرة وصناعة التغيير؟
في السياق الإقليمي، تبدو الولايات المتحدة القادرة على ضبط ردود الفعل بين إيران وإسرائيل، عاجزة عن فرض تهدئة دائمة في لبنان أو تطبيق قرارات الأمم المتحدة، مثل 1559 و1701 و1680. فبينما تتحكم واشنطن في وتيرة التصعيد بين طهران وتل أبيب، لم تسعَ نحو حل شامل ومستدام في لبنان، مكتفية بإدارة الأزمات دون تقديم حلول جذرية.
وبينما تتزايد العزلة تجاه إيران نتيجة لسياساتها المتغطرسة تجاه العرب وسعيها للسيطرة على أربع عواصم عربية، لم تعد بعض الأطراف تخفي ارتياحها عندما تتعرض طهران لضربات إسرائيلية. طهران التي كانت ترى نفسها قوة إقليمية فاعلة، بدأت تخسر قدراتها الدفاعية وهيبتها تدريجياً. لكنها لا تزال تتبع نهج “المقاومة حتى النهاية”، ما يزيد من خطر وقوع لبنان تحت دمار جديد لصالح حسابات إيرانية.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى العبارة الشهيرة للأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، “لو كنت أعلم” التي قالها بعد حرب 2006؛ تلك العبارة التي تعني أنه لم يكن يتوقع حجم الدمار الذي ألحقه النزاع بلبنان. اليوم، وبعد شهر من بدء عملية “سهام الشمال” التي أطلقتها إسرائيل، ومع تصاعد القصف على الأراضي اللبنانية، قد يتساءل البعض: لو قُدّر لنصرالله أن يبقى حياً ليردد تلك العبارة مرة أخرى، فهل كان سيقولها بطريقة مختلفة؟ هل كان سيعترف بمعرفته، منذ البداية، بحجم الدمار الذي سيخلفه الانجرار خلف المشاريع الإقليمية؟
مرّ شهر على بدء عملية “سهام الشمال”، التي تقول إسرائيل إنها تهدف لإبعاد حزب الله إلى شمال الليطاني وضمان عودة سكان شمال إسرائيل إلى منازلهم. وتستمر الغارات المكثفة، إذ كانت الضاحية الجنوبية مساء الجمعة في قلب القصف الإسرائيلي، مستهدفة حارة حريك وبرج البراجنة والليلكي. وفي الجنوب، طالت الغارات بلدات عديدة مثل كفررمان، ميفدون، برج الشمالي، طيردبا، وأنصار. كما سقطت عائلة كاملة ضحية غارة في تفاحتا قضاء صيدا، فيما توسع القصف ليشمل مناطق أخرى من الجنوب.
يبقى لبنان أسير الصراع بين قوى خارجية، متأرجحاً بين مواقف إقليمية ودولية متضاربة. ولكن، في ظلّ كل هذا التصعيد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستبقى هذه الحرب في سبيل مصالح إقليمية، أم سيعاد النظر في مسارها من أجل لبنان وشعبه؟.
* محلل سياسي من لبنان











10/27/2024 - 10:29 AM





Comments