ألسّفير د. هشام حمدان
نعم، أنا طالبت دائما ومنذ أكثر من أربعين سنة، بالعودة إلى تطبيق إتّفاق الهدنة. إتّفاق الهدنة مهمّ للغاية فهو يضع أسس الحقوق الوطنيّة للبنان، في مواجهة إسرائيل. وهو ملزم، لأنّه صدر وفقا للمادة ٤٠ من الفصل السّابع من الميثاق. وما زال ساري المفعول.
جرت محاولات أميركيّة عديدة في تسعينيات القرن الماضي، لإنهاء هذا الإتّفاق بصمت، ووضعه في خانة النّسيان. واجهنا الكثير من تلك المحاولات في حينه، من خلال مهمّتنا في البعثة الدّائمة للأمم المتّحدة في نيويورك. لكن ما لم تحقّقه أميركا في الامم المتّحدة حتّى عام ١٩٩٩، حقّقته أو تكاد أن تحقّقه على الأرض.
بعد انسحاب إسرائيل عام ٢٠٠٠، قالت الأمم المتّحدة أنّ إسرائيل نفّذت القرار ٤٢٥. لكنّ سوريّة الأسد، وإيران عبر ذراعها اللّبناني العسكري حزب الله، والسّلطة اللّبنانيّة الخاضعة لسوريّة، رفضوا ذلك بحجّة أنّها لم تنسحب من مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا. وبدلا من المطالبة بترسيم للحدود البرّيّة وفقا لإتّفاق الهدنة، رفعوا شعار الإستمرار بالمقاومة. موقف سوريّة الأسد، ومعها إيران والسلطة التابعة لهما، من عدم اللّجوء إلى اتّفاق الهدنة، أبقى الجنوب ساحة حرب مفتوحة، ليس بغرض الهجوم على إسرائيل طبعا وتحرير فلسطين، كما يتصوّر بعض البسطاء في بلدنا، وإنّما لأغراض تعزيز أوراقهما التّفاوضيّة بما يخدم مصالحهما الخاصّة.
جاءت حرب عام ٢٠٠٦. حرب أل٣٣ يوما وضعت انتصار عام ٢٠٠٠، وموضوع استكمال تطبيق القرار ٤٢٥، في الإدراج. صار النّصر بعد ذلك يقتصر على منع إسرائيل من إعادة احتلال الجنوب، بغية تبرير الإحتفاظ بالسّلاح كجزء من معادلة الرّدع. لو قبلت المقاومة وبيئتها عام ٢٠٠٠ ألعودة إلى إتّفاق الهدنة، لما كانت حرب عام ٢٠٠٦، ولا الدّمار، والقتل، والتّشريد، وزيادة الدّيون الهائلة على كاهل المواطن اللّبناني.
إستمرّت ايران، وذراعها العسكري، والملحقين بها من أركان السّلطة، برفض المطالبة بإتّفاق الهدنة، مما سمح بإعتماد الخطّ الأزرق، بدلا من العودة الى الحدود المعترف بها دوليّا. فقد احتجّت إسرائيل والولايات المتّحدة، بوجود خلاف قانوني على رسم الحدود المعترف بها دوليّا، وصمت الجانب اللّبنانيّ بدلا من المطالبة بتطبيق المادّة ٣٥ من ميثاق الأمم المتّحدة لإحالة النّزاع إلى محكمة العدل الدّوليّة. إسرائيل، والولايات المتّحدة، وإيران، وحزب الله، لا يريدون وقف الحرب، لكن لماذا ظلّت السّلطة التي تمسك الدّولة، صامتة ؟.
جاء القرار ١٧٠١ عام ٢٠٠٦، فتحول الخطّ الأزرق الأمني عمليّا، إلى الخطّ الدّولي. تمّ وضع قواعد اشتباك ترضي طرفي الحرب، وجرى تناسي التّرتيبات الأمنيّة التي نصّ عليها إتّفاق الهدنة بين لبنان الدّولة، وإسرائيل. ظلّت السّلطة التي تمسك الدّولة صامتة، ليس لعدم قدرة وجهل في الفكر الإستراتيجي، بلّ بسبب التّواطؤ الذي له طابع الخيانة. حقّقت إسرائيل ما تريد. فتمّ على ضوء ذلك ترسيم الحدود البحريّة، وخسر لبنان ما خسره من مياهه الأقليميّة وثروته الوطنيّة. واستمرّت الحرب.
آن الآن أوان الحسم، فخرج الجانبان عن قواعد الاشتباك. لم تتدخل الأمم المتّحدة لأنّ القرار ١٧٠١ ليس وفقا للفصل السّابع. طالب الرّئيس ميقاتي بخجل، بالعودة إلى اتّفاق الهدنة وهلّلنا لذلك. لكنّه عاد فتناسى الأمر، وصار يكرّر مطلب العودة إلى القرار ١٧٠١. تنبه رئيس الحزب التّقدمي الإشتراكي السّابق إلى الأمر، فطالب مؤخّرا بالعودة الى اتّفاق الهدنة. وقيل أنه أقنع الرّئيس برّي به. لكنّنا لم نسمع برّي يتحدّث بالأمر.
جاء مبعوث الرّئيس الأميركي مجدّدا وهو يقول، أن لا تعديل في القرار، وإنّما بعض الإضافات. هناك من أصحاب الرّأي من يتوقع إضافة فقرات تضع هذا القرار تحت المادّة ٤٠ من الفصل السّابع. لكنّ مناقشة هذا الأمر، وتحقيق أيّة نتيجة عملية له، يحتاج إلى عدّة أسابيع، فتكون إسرائيل احتلّت قسما كبيرا من الجنوب. إقرار القرار ١٧٠١ وفقا للفصل السّابع، ينهي عمليّا إتّفاق الهدنة. ويعيد الواقع الحالي إلى إطار القرار ٢٤٢ لعام ١٩٦٧، أو إلى الإتّفاق الثلاثي. فهذا الأمر سيسمح باستمرار إسرائيل باحتلال الجنوب وإدخال التّسوية بشأنه ضمن الحلّ الشّامل.
لكن ماذا ننتظر من قادة مارسوا الخيانة بإنتظام، ومن شعب صفّق لهم بانتظام!











10/25/2024 - 01:55 AM





Comments