تقدير موقف.. أوضاع الضفة الغربية في ضوء الصراع الدائر بغزة

07/06/2024 - 10:52 AM

Atlantic home care

 

 

إيريني سعيد *

 

يصعب قراءة المشهد الفلسطيني ككل، سيما الصراع الساخن في غزة ما بين قوات الاحتلال وحماس، بمعزل عما يجري داخل الضفة الغربية، وربما الاستفزازت والتي اندلعت بباحات الأقصى من قبل المستوطنيين وتجاه المصلين والمترددين علي الأماكن المقدسة، سجلت أبرز دوافع انطلاق طوفان الأقصي، وقبل أكثر من تسعة أشهر، حتي أن معظم التحليلات السياسية تجاه الأسباب والدوافع في ذلك، كانت تتجه أول ما تتجه ناحية ما تتعرض له القدس الشرقية من استفزازات من قبل المستوطين، وهنا وجب تسليط الضوء على فلسفة هذا المستوطن، فبينما جرت العادة عنه كونه الدخيل أو القادم والذى قدم بغرض الاستقرار ومن أجل الحصول على تسهيلات تمنحها الدولة، إلا أن هذا المستوطن الإسرائيلى تحديدا يتمتع بفلسفة العداء، تلك والنابعة من أيدلوجيته المتطرفة، والمتعلقة بالعداء تجاه الفلسطينيين وأراضيهم، حتى أن هولاء المستوطنين أنفسهم يشاركون قوات الاحتلال فى الممارسات الإجرامية بحق سكان الضفة، أضف على ذلك عمليات الاعتقالات الموسعة بحق السكان العاديين بخلاف المقاومين.

منذ عقود وسجلت الضفة الغربية تحديدا مقاربة فريدة، كونها منطقة خاضعة للاحتلال، وبموجب إتفاقية أوسلو تسيطر إسرائيل علي أكثر من 60% من أراضيها، وتعتمد فيها ما يشبه الحكم الكونفيدرالي، تترك للسلطة الفلسطينية الأمور المعيشية والمتعلقة بالصحة والتعليم والمحليات وغيرها، لتتمتع هى بالتصرف فى كافة الجوانب السيادية والمتعلقة بالعلاقات الخارجية والعسكرية والأهم الاقتصاد وموارده، ناهيك عن التحكم فى المعابر ومداخل ومخارج التجارة والجمارك، إلا أنها تمكنت من إحداث حالة من التقارب بينها كدولة احتلال وبين السلطة الوطنية، ما جعلها تعرف طريقها ناحية الاستقرار السياسي والإداري، خصوصا مع تنصيب هذه السلطة رسميا برئاسة محمود عباس 2005 عقب انتخابات رئاسية شارك فيها فلسطينيً الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية أيضا، وبالرغم من ضعف السلطة والانقسامات الحادثة ما بين الفصائل الفلسطينية، إلا أنها رسخت حالة من الاستقرار هناك ولو بنسبة.

علي العكس منها كان قطاع غزة، فمع انسحاب إسرائيل بشكل كامل عن القطاع 2005، وانفراد حكومة حماس 2007، وعقب انتخابات تشريعية حصدت أغلبية المقاعد علي إثرها بحكم غزة، إلا أنها شهدت أكثر من خمسة حروب كارثية خاضتها مع قوات الاحتلال، كُللت بطوفان الأقصى والذي عُد أقساها وأكثرها نتائج كارثية مدمرة، حتي أن إعادة إعمار القطاع قد تتطلب عشرات السنوات، أما الخسائر البشرية فسجلت عشرات الآلآف من الشهداء والمصابين، وكله بخلاف المفقودين.

ويبدو أن القناعات الإسرائيلية والرافضة لحل الدولتين وأية عملية سلام، لا زالت حاضرة خصوصا التى تقتضي إسرائيل واحدة، وأن التهادن مع السلطة فى الضفة لن يطول، فلا زالت المستوطنات تمتد بطول الضفة، وبالتوازى مع البؤر الاستيطانية فى تجسيد واضح لمقولة بن جوريون

  الشهيرة "حدود إسرائيل ستحدّدها الأجيال" ، ليكمل بتسلئيل سموتيريش وزير المالية الحالي والمحسوب علي أقصي اليمين المتطرف بقوله " إذا تمسك الفلسطينيون بوطنيّتهم فعليهم أن يرحلوا" في إشارة إلي المضي نحو إسرائيل واحدة، ومن ثم لم يكن بمستغرب إجراءاته الأخيرة حول رفع عوائد الضرائب عن الضفة الغربية، بل وصل الأمر إلي شرعنة تقييد وحجب الأموال عنهم، من خلال صياغة القوانين والتي تقتضي تحويل أموال الفلسطينين إلي أسر الضحايا من الإسرائيليين، وكأن الإستراتيجية الإسرائيلية تتحرك في إتجاهين وبالتوازي معا، إتجاه عسكري في غزة يريد تطبيق سياسات الأرض المحروقة، وإتجاه في الضفة الغربية يهدف أول ما يهدف إلي تعزيز احتكاكات المستوطنين بالفلسطينيين، مع شرعنة قطع الإمدادات في استعداد للاحتكاك بالسلطة الفلسطينية نفسها، وكله أيضا بالتوازي مع اندلاع الهجمات المنتظمة من قبل قوات الاحتلال، ولعل خطاب سموتيريش الأخير أوضح وبشكل علني النية الكاملة في ضم الضفة، من خلال حديثه عن حدث سيهدف إلى منع قيام فلسطين فى قلب إسرائيل، أيضا الاستعدادات حول تطوير المستوطنات فى هيكلة واسعة، والأقسى حديثه حول التخطيط لإنشاء نظام مدنى منفصل للضفة الغربية، ما ينذر بإجراءات إسرائيلية مرتقبة، تستدعى التعامل الجدى وتسليط الضوء على الضفة الأخرى من غزة وما يجرى فيها من صراعات مكتومة، قد تنفجر عند حد ، قد يتشابه وما يجرى فى غزة. 

وربما من مفارقات القدر أن تخدم المعطيات على أوضاع قضيتنا المعقدة، خصوصا اللقاء الأخير والذي جمع روسيا وكوريا الشمالية، وعلى مستوع العسكرى والأمنى، وفى إطار الحراك الجيوسياسى المستمر أقصى الشرق، وعقب تعاون واضح برز أيضا مؤخرا ما بين الصين واليابان، وكلها معطيات كفيلة أن تردع الكبار من الغرب، ولو فى محاولة لمراجعة سياساتهم بالشرق وتداعياتها على العلاقات مع المنطقة.

 

*صحفية وكاتبة مصرية

عضو نقابة الصحفيين المصريين

ماجستير العلوم السياسية

باحثة أكاديمية فى العلاقات الدولية

 

[email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment