حسين عطايا
منذ تأسيس النظام الإيراني في أواخر سبعينات القرن الماضي على إثر ثورة الشعب الإيراني التي انتفض وكان اليسار محركاً أساسياً للثورة وقائدها، إلى أن تدخلت أجهزة مخابرات دولية عديدة ومنها الـ CIA ليست بعيدة عنها أيضاً، وأمنت كل فرص النجاح لتزعم الإمام الخميني تلك الثورة عبر ركوب الموجة، على الرغم من كونه كان منفياً خارج إيران في العراق أولاً ثم في فرنسا. وبعد سقوط نظام الشاه الحليف للولايات المتحدة الأمريكية، وللمفارقة أن تلك الدولة الحليفة لم تستقبله للإقامة بها، بل الذي استقبله المرحوم أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية.
وعلى إثر ذلك تم تصفية حزب تودة الشيوعي والذي كان رأس حربة في ثورة الشعب الإيراني، ومن ثم تم تصفية عدد من رجال الدين التقدميين وأبرزهم آية الله طالقاني، وفرض الإقامة والسجن على الكثير من القادة والذين هم من كان على أرض الواقع مع الجماهير المنتفضة، وتسلم الخميني مقاليد الحكم، وقد حدثت الكثير من الأحداث والتفاصيل التي لا يتسع لها الوقت في هذه العجالة.
أزمة الحكم
الغريب في نظام الحكم الإيراني، هو أنه فعلاً يختلف عما هو متعارف عليه في بقية دول العالم. أولاً هو نظام حكم يستند إلى نظرية دينية تُسمى ولاية الفقيه، وهي حصراً موجودة في إيران وغير متفق عليها لدى الذين يتبعون المذهب الشيعي في كل أنحاء العالم.
وبذلك يختلف نظام الحكم في طهران عن بقية الأنظمة، فهو هجين ما بين نظام ديمقراطي حيث كل فترة تجري انتخابات أعضاء البرلمان، وكذلك انتخاب رئيس الجمهورية، لكن يبقى القرار عند المرشد الأعلى، وهو منصب فقط موجود في طهران غير منتخب من الشعب، وهو الذي يمسك كل مقاليد الحكم والقرار الأول والأخير لديه فقط، أما رئيس الجمهورية فهو مجرد منصب فخري أو ديكور لا أكثر.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أيضاً على المستوى العسكري يوجد جيش له نظامه وتراتبيته، ويوازيه ما يُسمى بالحرس الثوري وهو الأقوى والأفعل والذي يمسك بمفاصل الدولة ويتحكم بالاقتصاد عبر مؤسساته. أي أن للدولة رأساً هامشياً هو رئيس الجمهورية المنتخب ديمقراطياً، والمرشد المعيّن أو المنتخب عبر بعض رجال الدين وله عدة تسميات، كذلك دولة فيها ولديها جيشان.
من هنا، إيران دولة بنظام مختلف عما تُدرّسه كليات العلوم السياسية في العالم، وهو فريد من نوعه وغريب عن كل الأنظمة التي تُدرس ويتعلمها طلاب الجامعات. لا هو نظام ملكي ولا هو نظام جمهوري ولا هو نظام رئاسي... إلخ.
تصدير الثورة وأذرع النفوذ
هذا من ناحية نظام الحكم، ومن ناحية ثانية صدر عن هذا النظام نظرية تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى باقي شعوب العالم وخصوصاً الشعوب العربية. ومن ثم أنشأت السلطات الإيرانية أذرعاً وأجنحة لها في العديد من الدول، واتخذت من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة في الأقطار العربية وسيلة لجعلهم عملاء لها حتى أصبحوا خارجين عن قوانين بلادهم وولائهم لإيران على حساب أوطانهم، وهذا ما حصل:
مع حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحركتي حماس والجهاد في فلسطين المحتلة وخصوصاً في قطاع غزة، ومن ثم اشترت نظام حكم آل الأسد الدكتاتوري في سوريا، وأغدقت على هذه الأجنحة المال الوفير وكل أنواع التدريب والتسليح. وتغنى بعض القادة الإيرانيين بأنهم سيطروا على أربعة عواصم عربية وهي: بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت.
من طوفان الأقصى إلى سقوط الحلفاء
واستمر ذلك حتى أواخر العام ٢٠٢٣ حيث ابتدأت عملية طوفان الأقصى التي ابتدأتها حركة حماس في غزة، وتبعها حزب الله في لبنان تحت مسمى حرب إسناد غزة، وكرت سبحة الهزائم وابتدأت مسيرة الانحدار. وفي أواخر العام ٢٠٢٥ سقط نظام الأسد في سوريا وانتصرت ثورة الشعب السوري، وانهزمت حماس في غزة وسقط قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ثم دخلت القوات الإسرائيلية لبنان، وحين تم وقف الأعمال العدائية في ٢٧ تشرين الثاني من العام ٢٠٢٤، والتي دامت خمسة عشر شهراً، بقيت في خمس نقاط تتمركز فيها. ومن ثم افتتح حزب الله حرب إسناد طهران والثأر للمرشد علي خامنئي على إثر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في الثامن والعشرين من شباط من العام الحالي ٢٠٢٦، وبدأت هزائم الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد مقتل مرشدها وعدد كبير من قادتها السياسيين والعسكريين، وتم تنصيب نجل المرشد علي خامنئي "مجتبى خامنئي" والذي حتى تاريخه لم يظهر بصورة، وحتى أنه لم يشارك بتشييع جنازة والده، وبالتالي تكتنف حياته الكثير من الظروف الغامضة والإشاعات، وبالتالي الذي يحكم هو الحرس الثوري الإيراني.
مفاوضات سويسرا وتعثر التسوية
ورغم توقف الحرب عبر مفاوضات إيرانية أمريكية والتي بدأت غير مباشرة ومن ثم استمرت مباشرة في لقاءات سويسرا، والذي حضرها عن الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عرقجشي وحاكم البنك المركزي عبدالناصر همتي وآخرون، ومن الجانب الأمريكي جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي وجاريد كوشنير وويتكوف،
إلا أن هذا الأمر لم يكتمل وذلك نتيجة أزمة نظام الحكم في طهران ولأسباب عديدة أبرزها:
١ / إن استمرار السلام والهدوء قد يساعد في عودة الاضطرابات إلى البلاد نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
٢ / نتيجة الحصار والعقوبات المفروضة على طهران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك من قبل الاتحاد الأوروبي والتي أنهكت الاقتصاد الإيراني وأتعبته.
٣ / حصار القوات الأمريكية للمرافئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط أرهق البلاد وزاد حدة الفقر فيها.
٤ / تعدد الأجنحة في النظام الإيراني والأصوات التي تصدر بين الحين والآخر والتي تخوّن الرئيس الإيراني مسعود بوزشكيان وكذلك الوفد المفاوض، مما دفع بالرئيس الإيراني منذ يومين إلى التصريح العلني أنه سيستقيل إن ألغيت مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
وهذا ما دفع بجماعة الحرس الثوري إلى توتير الأوضاع في منطقة مضيق هرمز والاعتداء على بعض السفن وناقلات النفط التي تعبر المضيق، مما دفع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجيه القوات الأمريكية لقصف مواقع في إيران، ومن ثم صرح يوم أمس عن إلغائه مذكرة التفاهم ونعت القيادة الإيرانية بأشد النعوت السيئة، وأمر من جديد ليل أول من أمس بإعادة الكرة لقصف مواقع في إيران ومنها محطات توليد كهرباء وسكك الحديد التي تربط بين إيران وروسيا والصين، مما يزيد حدة الحصار، وقد طلب من قواته بإعادة فرض الحصار في حال عادت طهران للاعتداء على السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز وسيعيد قصف إيران بضربات أقوى من التي سبقت.
أزمة وجودية
كل ذلك زاد من حدة أزمات النظام الإيراني وأدخله في مرحلة صعبة للغاية، مما جعلها أزمة وجودية قد تجعل من استمراره في حكم إيران صعباً لا بل مستحيلاً. وهنا يمكننا طرح السؤال التالي: هل بدأت عملية إسقاط نظام حكم الملالي في طهران أم أن الأمر لا زال مؤجلاً بعض الشيء؟ وهذا ما ستظهره الأحداث في الأيام الآتية.












07/09/2026 - 18:16 PM





Comments