د. نعيمة عبد الجواد *
الإحساس بالأمان هو أفضل أنواع الشعور على الإطلاق؛ إلَّا أن الركن الأساسي لاجتذابه والحصول عليه يتطلَّب وجود علاقة بين الفرد والمصدر الرئيسي المانح له. وفي السنوات الأولى من حياة الإنسان يكون ذاك المصدر، غالبًا، الأم أو الأب أو كليهما. وفي أحوال أخرى وكذلك في فترات عمرية مختلفة، يصير مصدر الشعور بالأمان شخص خارج نطاق الأسرة، كالمعارف أو الأصدقاء أو من يكنّ لهم الفرد شعور ودِّي أو حميمي. مما يعني أن الإحساس بالأمان هو ضرب من ضروب العلاقات التي تتطلَّب طرف راغب في تلقِّي ذاك الشعور، وطرف آخر يلعب دور المانح. قد يظن البعض أن ذاك الأمر بديهي، وكذلك محبب لدى أي فرد راغب في الإحساس بوجود شخص يحميه ويعتني به ويمنحه بالرَّاحة كلَّما تأزَّمت الأمور. بيد أن هذا الإحساس قد يتحوَّل إلى كارثة إذا تزايدت وتيرته وفاق عن حدّ الاعتدال. عندئذٍ تتحوَّل تلك العلاقة الصحيَّة إلى "عقدة التعلُّق".
و"عقدة التعلُّق" تلك قد حيَّرت الأطباء النفسيين لفترات طويلة؛ وبسببها لم يكن بمقدورهم، إلَّا بصعوبة، تحديد الكثير من حالات الخلل النفسي، وذلك لأن مصدر الخلل كان متواريًا تقريبًا في جميع الأحيان في نقاط خفية مصدرها التعلُّق المَرَضي. ولذلك، تم طرح نظرية لتسهيل تحديد العطب النفسي، والتي تم منحها اسم "نظرية التعلُّق".
والجدير بالذكر أن من طرح تلك النظرية الطبيب والمحلل النفسي الإنجليزي "جون باولبي" John Bowlby (1907-1990) الذي أكَّد أن الارتباط بمقدِّمي الرِّعاية في مرحلة الطفولة المبكرة يلعب دورًا أساسيًا في تكوين وتطوُّر الشخصية ووردود أفعالها، بل وأيضًا له دورًا كبيرًا فاعلًا في الأداء العقلي للأفراد. ويُذكر أن الطبيب والمحلل النفسي الإنجليزي "جون باولبي" قد تمت مهاجمته عند طرح تلك النظرية آنذاك، لكن بعد الدراسة والتمحيص تم اكتشاف أن التعلُّق المرضي ركيزة للعديد من ألوان الخلل النفسي الذي قد يتبلور في شكل خلل فيسيولوجي. وفي ستينات وسبعينات القرن العشرين عملت عالمة النفس "ماري إينسوورث" Mary Ainsworth على تعميق وتفصيل النظرية إلى أن تبلورت في الصورة التي تنبلج فيها المفاهيم السائدة عن "عقدة التعلُّق" في عصرنا الحالي.
ودون الخوض في الكثير من التفاصيل، فإن فكرة التعلُّق في حد ذاتها قد لا تتطلَّب حدوث ارتباط قائم على الشعور بين طرفين؛ إذ أنه قد يمتد أيضًا لارتباط الشخص بمكان أو شغف فضولي تجاه أشياء عينها، مثل، على سبيل المثال لا الحصر، الفضول الزائد لمعرفة أخبار الآخرين أو دسّ الفرد أنفه في شئونهم. وفي تلك الحالة، يعتبر الفرد أن حصوله على المعلومات أو السيطرة المبالغ فيها تمنحه شعورًا بالأمان والقوَّة، مما يشعره بالاطمئنان، وبالتالي السعادة.
وبما أن التعلُّق يتَّخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، وخاصة كلَّما تقدَّمت الحضارة وزاد إحساس الفرد بالوحدة وعدم الإمساك بزمام أموره وسط عالم يفرض التخبُّط، ظهر في نهاية شهر ديسمبر من عام 2024 كتاب لتطوير الذَّات حقق منذ لحظة طرحه في الأسواق نجاحًا هائلًا، بل وأصبح على قائمة الكتب الأكثر مبيعًا. وذاك الكتاب بعنوان "نظرية دعهم" أو بمعنى آخر "غضّ الطرف عنهم" The Let Them Theory للكاتبة الصحفية الأمريكية "ميل روبينز".
ويحاول الكتاب استكمال نظرية التعلُّق وطرق فك التعلُّق بطريقة مفصَّلة تحاول أن تتقصَّى أسباب زيادة الضغط الذي يقع على الإنسان عند تعلُّقه بفكرة أو أمر يصير سببًا مباشرًا لوقوعه تحت طائلة اضطرابًا نفسيًا، ولو حتى كان ضئيلًا، مما يؤثِّر على السلام النفسي للفرد وكذلك على كفاءته الانتاجية في مناحى مجالات الحياة.
ولا يقف الكتاب عند المراحل الأولى من حياة الإنسان وتبعاتها النفسية فيما بعد فقط، فلقد ناقش أيضًا كيفية عدم إلقاء بالًا لجميع تصرُّفات الآخرين تجاهنا، فعلى سبيل المثال: من يرغب أن يضع الفرد تحت طائلة الضغط، يجب أن يذهله الآخر بمقاومته السلمية. والرَّاغب في أن يظن بآخر ظن سوء، لا يجب أن يعيره المكلوم انتباهًا، ومن يتجاهلنا حتى ولو كان أقرب صديق نبادله ذاك التجاهل بكل هدوء؛ فالثقة بالنفس هي خير وسيلة لتخطِّي أي عقبة.
وكذلك يجب أن نعلم أن الحياة ليست عادلة، فهناك دومًا أطراف تتحمَّل ضغوطًا أكثر من الأخرى، لكن ذلك لا يعنى أن يستسلم الطرف الذي في موقف أضعف لتلك الضغوط. ويأتي ذلك كله بفك التعلُّق بأن الصديق دائم، أو أن من تمد له يد العون لسوف يصبح نصيرًا، أو أنه بإمكان الفرد تحقيق عدالة مطلقة، فكل هذا ضربًا من ضروب الخيال ولن ينجم عنه إلَّا التعاسة الأبدية التي تكبِّل المرء بالاكتئاب والتراجع عن مزاولة الحياة بشكل طبيعي. ويجب أن ينتبه الإنسان لحقيقة أن المحاولات المستميتة لإنقاذ أمر أو علاقة بدأ تتآكل من العطب لسوف تتفتَّق عنها نتائج عكسية تمامًا، وفي أغلب الأحيان لسوف تصير النهاية دمار شامل.
والطريف أن تلك الأفكار الحكيمة والنظريات النفسية التي يُقبل عليها العامة في عصرنا الحديث قد ذكرها الأولين بالتفصيل، وكذلك بأسلوب أكثر تشويقًا، لكنه لم يكن مباشرًا، وكأنه دعوة لإعمال العقل حتى تصير الحكمة صالحة لكل العصور. فالتعلُّق وعواقبه السلبية ووجوب فكّ التعلُّق المَرَضي ووجوب عدم الاهتمام بأراء الآخرين قد تم تلخيصه في أسطورة "أطلس" الذي حكمت عليه آلهة الإغريق أن يحمل السماء، وأصبح أمثولة لمن يتحمَّل مسئوليَّات قبل أوانه، وأن يصبح الشخص المعطاء بلا حدود لدرجة تجعله يدمِّر ذاته، في محاولة نبيلة منه لمد يد العون ولاعتبار آراء الآخرين.
وتحكي أسطورة "أطلس" Atlas عن صراع التيتان مع آلهة الأوليمب الذي استمر عشر سنوات في حرب ضروس. لكن "أطلس" ابن ملك التيتان "لابيتوس" Lapetus ساعد والده في الحرب وكان يساعدهم على تحقيق انتصارات بفضل براعته في الرياضيات وعلوم الفلك والكواكب، بل قيل أيضًا أنه من اخترع علم الفلك وكذلك هو مؤسس المدارات السماوية التي ترصد حركة النجوم والكواكب واصطفافها في عنان السماوات.
وعلى الرغم من براعة "أطلس"، لكن المعركة في نهاية الأمر حسمها آلهة الأوليمب بانتصار ساحق. فحكم "زيوس" Zeus كبير آلهة الأوليمب على الخاسرين، بما فيهم شقيق أطلس، بقذفهم في حفرة الجحيم. لكنه استثنى من عقابه هذا "أطلس" بأنه عهد له حمل السماوات على كتفيه، فامتثل أطلس للعقاب بكل شجاعة، ولم يفكِّر يومًا في التضحيَّات التي قدَّمها للتيتان. وتذكر الأسطورة أنه عندما أتي إليه "هرقل"، ابن الإله "زيوس"، طالبًا يد العون لتحقيق أحد المهام العشر التي كلَّفته بها الآلهة، وافق "أطلس" على الفور، وبذل كل جهده حتى حقق ل"هرقل" مأربه. وفي تلك الأثناء، تولَّى "هرقل" عبء حمل السماء على كاهله طواعيةً، وحينها نخلَّص "أطلس" من جميع الأحمال التي على كتفيه.
لقد كان بمقدور "أطلس" الفرار للتخلُّص من العذاب الأبدي، لكن نبل أخلاقه حثَّه على الرجوع. و"هرقل" الذي وعده مسبَّقًا أن يتقاسم معه حمل السماوات حالما رآى "أطلس" أخبره أنه لسوف يذهب في مهمة سريعة ويرجع بعدها يتقاسم معه الحمل، لكنه لم يأتي مرَّة أخرى على الإطلاق. لقد خسر "أطلس" فرصته الأخيرة للنجاة عندما ألقى بالًا لآراء الآخرين وكيف قد تتحوَّل أرائهم تجاهه. وتحاول الأسطورة أن تنصح بأن الإفراط في العطاء يُعلِّم الاستخفاف والاستغلال، وكذلك أنه من وضع نفسه في خانة الأعداء، لن يصبح أبدًا صديقًا، حتى ولو وعد بذلك.
وفي نهاية الأمر، يجب الانتباه أن فك التعلُّق وتجاهل آراء الآخرين قد يصبح سلاحًا ذو حدِّين إذا وصل الأمر لحد الإفراط والإدمان، فالرَّاحة النفسية واعتدال المزاج والنتائج الإيجابية لتطبيق تلك النظريات لن تتحقق إلَّا في حالة الاستخدام الرشيد؛ لأن النتيجة العكسية هي الأنانية الشديدة وعدم الانتماء. فلا تكن مثل "أطلس" وتتحمَّل مالا تطيق، ولا تصبح "هرقلًا" حانثًا بالوعد ولا تعتبر إلَّا مصلحتك الشخصية.
* أستاذ مساعد











07/09/2026 - 09:12 AM





Comments